العزلة وهوس الإنجاز
مرت أيام -لا أحصي عددها- منذ نويت أن أكتب ما سأكتبه الآن، المشاغل كثيرة، والصوارف عديدة، والنفس بطبعها تحب الركون والتفريط في كل شيء ما لم تُلزم به. وفرق بين العزم والمباشرة وبين النية المؤجلة، ودائمًا في التعويل على الغد مسكن يريح الضمير ويعفيه. هذا التأخر والتعويق دفعاني للتوقف عن الكتابة بعدما شرعت بها وكتبت البسملة، لكن هذه المرة لم أتوقف لصارف عابث، بل كان السبب أنني ذهبت وضممت الكتابة إلى خطة العام؛ لألزم بها نفسي وألا أتأخر في ممارسة تساهم في تطوري وتقدمي ومعرفتي لنفسي التي بين جنبي. وعلى هذا، فها أنا أعدكم علنًا -لئلا أتخلف- أن أنشر في كل شهر مقالة على أقل تقدير، وكحد أدنى لا أتنازل عنه ولا أقبل فيه المساومة مع نفسي الأمارة بالسوء -هذبها الله-.
سامح الله الطنطاوي وغفر الله له. على الرغم من أنني جئت لأكتب بعد تأجيل طويل، إلا أني ضيعت القارئ الكريم عن العنوان، وأحسب أنه يقول في نفسه بعد المقدمة الآنفة: أين حديث العزلة المُدَّعى؟ وأنا أستبق سؤاله وأجيب: اسأل الأديب الفقيه الذي طبعنا على طبعه من الاستطراد والتحليق، فمن شغفي بكتبه ورثته. على أن لاستطرادات الشيخ لذة وجمالًا لا أحسبها موجودة فيما أثرثر به. كما أن لاستطراده خيطًا ناظمًا واتساقًا مع صلب فكرته ولو ظهر للقارئ غير ذلك، أما استطراداتنا فما هي إلا خبط وترقيع وبعثرة وتمطيط. وهذه فقرة أخرى من الاستطراد.
أعود إلى صلب الفكرة، وأنقل للقارئ الكريم القصة التي أنتجت الفكرة: اضطررت في بداية هذا العام إلى دخول عزلة صحية فصلتني عن الناس إلا قليلًا منهم، كإخواني والطبيب حين مراجعته. كما أبعدتني هذه العزلة عن العالم الافتراضي. واقع كهذا قد يمثل كابوسًا لكثير من الناس، على أني أصارح القارئ الكريم بأني كنت مسرورًا بهذا الواقع قبل خوض غمار هذه التجربة، فدائمًا ما كنت أحدث نفسي بحبي للعزلة والخلوة مع الذات، أو قل: الخلوة مع أي شيء دون جنس البشر. كان هذا اعتقادًا راسخًا في نفسي، بل كنت أكافئ نفسي بتلك الخلوات، وما أكثر ما انزويت عن الناس وهربت منهم.
لكن هذه المرة كانت على عكس ما أملته، فقد أتى يومها الأول ثقيلًا! حدثت نفسي بأن سبب هذا الثقل هو الألم الذي اعترى عيني، وأملت خيرًا بأن في ذهاب الألم عودة للتمتع بالعزلة والخلوة. أتى اليوم الثاني وقد تلاشى -بحمد الله- كثير من الألم، وما انقضى اليوم الثاني إلا وأيقنت بأنه أشد ثقلًا ووحشة. عاودت الحديث مع نفسي لأعرف السبب، وفعلاً تحاورنا في نقاش مطول وفتشنا عن الأسباب في حديث طويل ذي شجون. حتى وصلنا إلى أن علة هذا الثقل في الفرق بين هذه الخلوة وتلك الخلوات التي كنت أهوى. فادعت نفسي أن في تلك الخلوات من الرفقة مع الكتب والمواد النافعة ما يزينها ويكسبها اللذة، أما هذه الخلوة فهي قاحلة مملة. سلمت لنفسي وعزمت في اليوم الثالث أن أستمع إلى كتاب أو أي مادة نافعة؛ فأستعيد بها لذة العزلة وطعمها. أتى اليوم الثالث، وفعلاً شرعت بالاستماع إلى كل ما ينفع ويفيد، سواء أكان كتبًا صوتية أم محاضرات أم حتى مقالات مسموعة، على أنه ما انقضى اليوم الثالث إلا وازداد الثقل واشتدت الوحشة.
عاودت الرجوع إلى نفسي لحضور جلسة نقاش باتت عادة يومية! وهنا صارحت نفسي بفكرة جديدة. حدثتها بأن في العزلة عذابًا، وأن الفكرة التي صورتها لي لسنوات مضت ما هي إلا ضرب من الخيال والجنون، فلا غنى للإنسان عن رفيق أو أنيس، أو سكن يسكن إليه ليهون عنه أعباء الطريق. "فالإنسان مدني بطبعه". وقلت لها: ألا دليل أدل على هذه الفكرة أكثر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم بكعب وأصحابه، فما كان عقابهم حين تخلفوا عن الغزو إلا أن عزلوا عن المجتمع وعن أزواجهم. فالعزلة عقاب! كما أن سجان اليوم إذا أراد أن ينكل بأسيره جعله في غرفة انفرادية ينفصل بها عن نظرائه، وفي هذا دليل آخر. قالت: إن في وصفك للذة العزلة التي ذقتها من قبل بالخيال والجنون ليس إلا كفرانًا وإنكارًا لخير ذقته، ومهما تنكرت وتلبست، فما أشهدني عليك وأنت تحلق فرحًا بكتاب ختمته في خلوة سرقتها من هنا أو من هناك.
تأملت فيما قالت، ثم خجلت من الكذب على نفسي التي تعرفني! وقلت: لعل السر في هذا، لعل في الإنجازات التي تقطع بالعزلة ما كان يزينها ويجملها في عيني، ولعلي ما ذقت تلك اللذة في يومي الثالث لصارف آخر. وهنا انقدحت في ذهني فكرة، بل فكرتان. في الأولى تذكرت عبارات جميلة كانت كثيرًا ما تُطرح علينا من المربين الأفاضل، مفادها: أن النفس لا يمكن أن تستوي دون تحقيق إشباع لكل رغباتها، ولا يمكن أن تنجح دون تكميل لكل فضاءاتها. كانوا يقولون لنا: لا تتفوق في الحلقة، ولا تبدع في المدرسة، ولا تتميز بعلاقاتك الاجتماعية، ولا تكن فردًا متميزًا في أسرتك، بل اجمع بين ذلك كله، وكن شخصًا متكاملًا، يأخذ من كل ميادين الخير. ولا أعظم من منهج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
" إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" (1)
أما الفكرة الثانية، فهي فكرة سمعتها من أبي صالحٍ -وفقه الله- عبَّر عنها بمصطلح "الاستهلاك المعرفي"، وضرب عليها مثلًا أعيشه في كل يوم. مفاد الفكرة: أن هناك لدى فئة من طلبة المعرفة تعطشًا لاستهلاك المعارف والكتب؛ يدفعهم لاستغلال أي دقيقة فارغة هنا أو هناك في إنجاز مزيد من المقروءات، أو إفراط في تعاطي المسموعات. ظاهر هذه الفكرة حسن، وقد لا يظهر لكثيرين وجه الإشكال المقصود، فما أكثر ما صارحت الأصدقاء عما في نفسي من هذه الفكرة، حتى باشروا بطردها بعيدًا وتأكيدهم أن في هذا استغلالًا محمودًا لا ينبغي أن أقلق بشأنه. ولا يشك أحد أن استغلال الأوقات والحرص عليها من الأمور المحمودة، ولكن لو نظرنا إلى هذه الفكرة من الزاوية التي يطرحها الشيخ، لأدركنا ما في تلك الممارسات من التسليع للمعرفة، ولرأينا شيئًا من الاستكثار العلمي ذي الطابع الرأسمالي.
ومن هنا أدركت أن المشكلة ليست في وقت يعتزل المرء فيه ليتعلم ويزداد من المعارف، أو ليقرأ فيه ذاته ويعرفها أكثر، فهذا أصل مشروع أقره الشارع. ولكن المشكلة في جعل مدار الفلاح والسعادة فيما ينجزه المرء في خلواته، بل والأسوأ أن يتعامل الإنسان مع نفسه بناءً على هذه المعادلة الصفرية، فإن أنجز وقرأ واستمع فهو إنسان جيد، وإن لم يقرأ وينجز فهو إنسان سيئ، ولو كان قد قضى وقته في خدمة أهله ومعاونة صحبه! وما أكثر أن ينفق الطالب الجاد ساعات في طلبه وتحصيله وقراءته، ثم هو يستطيل مشوار البقالة المجاورة في رضا والدته! وهذا من أبشع التطرف في الإعلاء من قيمة على حساب أخرى. لكن الحقيقة الراسخة أن السر كل السر ليس إلا في التكامل والتكميل لكل عالم من عوالم النفس. فيعطي لنفسه وأهله وصحبه، وكل ذي حق عليه، ويُعنى بدرسه وماله وكتبه، ويرى في ذلك كله خيرًا ينجز.
عودًا إلى العزلة بمعناها العام
فيما سبق حاولت أن أنقل للقارئ الكريم شكلًا مخصوصًا من أشكال الغلو في مبدأ العزلة، ولو أنه قليل الانتشار ونادر الحدوث، على أن فيه تجربة عشتها وفائدة أحببت نقلها. ولتكون الأمور في موازينها الصحيحة، فلا بد لي أن أعقب الفكرة بفكرة معاكسة.
من المهم أن يعي المرء أن مفهوم العزلة ليس أمرًا أصيلًا في حياة الإنسان: " فالإنسان مدني بطبعه"، والمخالط للناس الذي ينال من أذاهم خير من المنعزل عنهم -عدا حال اشتباه الحق بالباطل فهناك تُحمد العزلة-، ولو كان للعزلة فضيلة مطلقة، فما أسهل أن يكون الإنسان صالحًا وهو بعيد عن شرور الناس، لكن العبرة فيمن بقي صالحًا على ما يناله من أذى جراء المخالطة -ولابد لكل مخالط من نصيب من الأذى-. على أن المتأمل للنصوص الشرعية بمجموعها يعي أن هذا الأصل قد يتوجب خرمه في بعض الأحيان، كأن يكون للمرء ساعات خلوة وافتكار في حاله ومآله والكون الذي من حوله، فكثرة الخلطة تنسي وقد تشتت عن الغايات والأهداف، وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"وليسَعْك بيتُك" (2)
وكأن فيه تذكيرًا للإنسان أنه لا بد من مخالفة أصل الخلطة، والجلوس مع الذات واستكشاف ما فيها من أدواء وأوجاع، وتذكيرها بغاياتها وأحلامها. والمشاهد لواقعنا يلاحظ معاكسة بينة لهذا المفهوم، بل قد تجد عداوة بينة لكثير من الناس مع ذواتهم، فما أشد دقائق الانتظار التي يبقون فيها منفردين بنفوسهم، وما أسرع أن يفروا من جلوس بلا رفيق يشغلهم عن نفوسهم. والإنسان الذي ترك نفسه لسنوات وسنوات، وما أفضى إليها ولا أفضت إليه، ولا عرف مرادها ومراده، لا شك أنها تكون ثقيلة عليه، بل أفكر أحيانًا أن تلك النفس ستنفجر في يوم من الأيام ما دامت مهملة متروكة!
ثم أريدك أن تتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
"ألا أُخبرُكُم بخيرِ النَّاسِ منزلًا؟ قُلنا: بلى يا رسولَ اللَّهِ. قالَ: رجلٌ آخذٌ برَأسِ فرسِهِ في سبيلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ حتَّى يموتَ، أو يُقتَلَ، وأخبرُكُم بالَّذي يليهِ؟ قلنا: نعَم يا رسولَ اللَّهِ. قالَ: رجلٌ معتزلٌ في شِعبٍ يقيمُ الصَّلاةَ، ويؤتي الزَّكاةَ، ويعتَزِلُ شرورَ النَّاسِ" (3)
فجعل ثاني خير الناس: من اعتزل الناس مؤديًا حق الله عز وجل، نائيًا بنفسه عن شرور الخلق وفضولهم. وفي هذا وغيره من الآثار تنبيه إلى فضل العزلة ما دام الخير فيها، وأنها وإن كانت خلاف الأصل فلا بد منها إذا اقتضت الحاجة ودعت المصلحة، وكان الخير الذي فيها مما لا يمكن تحصيله مع الخلطة. والمتأمل للواقع يعي أن كثيرًا من السوءات لا يمكن معالجتها دون خلوة يقرأ بها الإنسان ذاته. وكثير من المهارات والعلوم لا يمكن تحصيلها بدون خلوة جادة يجرِّد بها المطولات، ويحل بها المرء المسائل المستعصيات. وللمسيري تجربة فريدة في ذلك، فقد ورد في رحلته:
"حبست نفسي في غرفة لمدة شهر كامل لا أسمع إلا الإذاعات المتحدثة بالإنجليزية، ولا أقرأ سوى الجرائد والمجلات الإنجليزية، وعدت بعد الفصل الدراسي الأول وقد تملكت ناصية اللغة بشكل أدهش أساتذتي"
وهناك الكثير من التجارب الناجحة المشابهة، جميعها تشترك في همة صاحبها وجديته، وهنا الحديث لأصحاب الكمالات لا لأهل الترف والمخدات.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق