أين الوجهة؟
الآن، وفي سنتي الجامعية ما قبل الأخيرة، ومع دنو التخرج بالنسبة لكثير من الأصدقاء والزملاء، أتأمل في الهموم التي تشغل بالهم، وفي حواراتهم مع من حولهم، وفي أسئلتهم التي تكشف عن رؤاهم المختلفة للحياة الجديدة التي سيقبلون عليها في قادم الأيام. فقد كانوا في حياتهم قبل التخرج كالراكب في قطار، يسير على محطات واضحة ومحددة، تضبط أوقاته وتنظم حياته، وترتب أولوياته أيضًا! فللتسجيل موعد، ولبداية ونهاية الدوام موعد، وللامتحانات موعد. بل إن حياة القطار هذه تخبره عما هو قادم، فحتى المفاجآت قليلة ونادرة، وغالبًا ما يسير هذا الراكب على خط سير مرسوم أمامه منذ البداية. بالمقابل، وعلى الجهة الأخرى، فإن الحياة التي سيقبل عليها الآن أشبه ما تكون بالإبحار، فلا توجد خطة سير واضحة المعالم، ولا توجد محطات مرسومة تنبئه عما سيكون، بل هو من سيرسم الآن خط سيره، وهو الذي سيحدد الجزر التي سيقف عليها، أما المستقبل فهو مجهول غير متوقع، تكثر فيه المفاجآت، والرتابة تكاد تنعدم فيه.
يجمع المرحلتين وجود أهداف محددة يريد كلاهما -البحار وراكب القطار- الوصول إليها، ولكن شتان بين من رسمت له الطريق وسار عليها، وبين من رُمي في البحر بلا خريطة أو دليل، فيهيم على وجهه يفتش ويبحث هنا وهناك، ويستهدي فلانًا وعلانًا. فالأول لربما وُضع في وسط خطة وسار عليها بلا وعي حقيقي أو اختيار فعلي لها، كأن يسير على خط رسمه له والداه، أو سار على صورة نمطية في مجتمعه، فمن أنهى المرحلة المتوسطة ذهب إلى الثانوية، ومن تخرج من الثانوية ذهب إلى الجامعة، ومن تخرج من الجامعة ذهب إلى... هنا تتبعثر الصورة النمطية، فالناس ليسوا على صورة واحدة، والفرص ليست على شكل واحد، والأولويات عند الناس ليست على صعيد واحد. الآن هو الذي سيرسم الأهداف، وهو الذي سيؤسس رؤيته الخاصة، الميدان ميدانه وحده، ولا أحد يطيق اتخاذ قرارات نيابة عنه ليتحمل تبعاتها.
المشكلة في خروج هذا الإنسان إلى هذه الحياة الجديدة تكمن في أن يكون لم يقرر في أي يوم من أيامه السابقة قرارًا حقيقيًا، اتخذه بناء على معطيات معينة، وتحليل للواقع، وتفكير طويل، واستشارة واستخارة، بل أحيانًا لربما أبسط الأمور في حياته اختيرت له، ولم يكن له قرار فيها، فملابسه من اختيار والدته، وأوقات فراغه تقضى على هوى الأصدقاء وما يريدون، أما دوره في بيته فلا دور له، فوالده يقوم -برًّا بولده- بكل شيء، فلا مسؤوليات تقع على الابن، والأب يوفر له كل الخدمات التي يحتاج إليها. وصول الإنسان إلى هذه المرحلة بعقلية هذا الطفل الذي لا يحسن التقدير أو التصرف هو طامة كبرى بلا شك، ولهذه الطامة أسباب متعددة غير منحصرة في تربية الوالدين -على أنها من أهم الأسباب-، فقد تكون تلك الرعونة عُززت بطابع نفسي لدى الشخص، أو تفاهة شغلت وقته طفلًا وصبيًا وشابًا، أو قد يكون السبب في رفقة لا تزال تعيش مراهقة المرحلة المتوسطة إلى يومها هذا! وهلم جرًّا من الأسباب التي تعزز بعضها بعضًا، وتساهم في تنشئة عبء جديد على كاهل المجتمع.
مثل هذا لا يهمني الآن، وليس هو مرادي من هذه المقالة، فأمثال هذا لا يعرفون أهمية سؤال الوجهة في مرحلتهم الآن، عدا عن أن يحسنوا الإجابة عنه، ومن هذه حاله لا يصحو إلا حين يقع الفأس بالرأس، فإما أن تكون شرارة يحيا بها وينبعث من الركام، أو يقع في أودية اليأس والإحباط. مرادي هنا هو ذلك الشاب القلق الحائر، الذي يعي حقيقة ما سيقبل عليه، ولكنه يعايش كوابيس صعوبات الحياة القادمة، والواقع الذي لم يفتأ الخريجون يحدثونه عن مرارته وتردي أوضاعه مع الوقت أكثر فأكثر.
وفي هذه الصورة، وهذا الوعي بأهمية أدوات المواجهة لصعوبات الحياة القادمة، أمر صحي في أصله. ولكن لتكون الأمور في نصابها الصحيح، أعترف أني أرى في بعض صور ذلك الاهتمام غلوًّا ومجاوزة للحد والقدر الواجب اتخاذه من العناية والاهتمام بهذه الفكرة. أبرز علامات هذه المجاوزة، وما تستطيع استشفافه في تلك النفوس، ما يمكن أن يُعبر عنه بأنه قلق. فهو قلق من ضياع الرزق، قلق من ضياع الفرص وفواتها، قلق من اختيار طرق لا ترقى إلى تطلعاته وأحلامه الوردية، قلق من فوات القطار وذهاب الناس بالفرص والمكتسبات وخروجه من بينهم خالي الوفاض. والمتأمل فيمن كانت هذه حاله يبصر جليًّا أثر المعايير الغربية وغلبتها على مفاهيم النجاح والتميز، فمثلًا تجد التميز عنده لا يكون إلا بالريادية والعمل الحر، والنجاح لا يمكن أن يكون مع الموظف العادي، أما ابتغاء الكفاف من الرزق، والاكتفاء بقدر الحاجة من غير زيادة أو نقصان، فهذا من الموبقات وأكبر الكبائر.
على أنه، وفي الجهة المقابلة، جاء خطاب الشرع واضحًا وصريحًا في التأكيد على أن رزق الإنسان سيوفى له رغمًا عن أنفه، وأنه لن يموت قبل أن يستوفي رزقه كاملًا تامًّا، وهذا المفهوم مما لا يستقيم وجوده مع القلق الذي عبرنا عنه آنفًا. فإذا بذلت الأسباب، التي منها حسن التدبير والاجتهاد بحسب الطاقة ودعاء الله عز وجل، فلا بد أن يتبع ذلك بحسن التوكل لمن آمن بوعد ربه، وأحسن الظن بخالقه ورازقه ومتوليه بالنعم الغزيرة، لا أن يكون قلق المادية هو المحرك الدافع نحو "التكاثر" الذي أتى في سياق الذم والتوبيخ.
وما أروع التأمل في قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولًا فَامشوا في مَناكِبِها وَكُلوا مِن رِزقِهِ وَإِلَيهِ النُّشورُ﴾ [الملك: ١٥]. لاحظ كيف عبر الله عز وجل عن مشروعية عمل الإنسان لطلب الرزق بالمشي، ثم لاحظ كيف أمر الله عز وجل في مواضع أخرى بالمسارعة والمبادرة، كقوله سبحانه: ﴿وَسارِعوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿سابِقوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُها كَعَرضِ السَّماءِ وَالأَرضِ أُعِدَّت لِلَّذينَ آمَنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتيهِ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وفي التأمل في هاتين الصورتين يمكنك الوقوف على ما حقه التقديم والعناية، وما حقه التأخير.
بل تأمل أيضًا كيف أن التعبير بالمشي في سياق طلب المعاش والرزق جاء أيضًا في وصف أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فقد قال عز من قائل: ﴿وَما أَرسَلنا قَبلَكَ مِنَ المُرسَلينَ إِلّا إِنَّهُم لَيَأكُلونَ الطَّعامَ وَيَمشونَ فِي الأَسواقِ وَجَعَلنا بَعضَكُم لِبَعضٍ فِتنَةً أَتَصبِرونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]، وكأن هذه الإشارات جاءت لتؤكد لكل ناظر مشروعية وأهمية الاجتهاد في تحصيل الأمور المعيشية، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في الصحيح- أثنى على نبي الله داود؛ لأنه كان لا يأكل إلا من كسب يده، تأكيدًا على فضيلة الكسب من عمل اليد، وألا يكون المسلم بطالًا يتكفف الآخرين.
وبالنظر إلى هذه النصوص في مجموعها، وحين نستحضر الفرق بين مرتبة المشي وبين المرتبة التي تزيد عنها، وهي المسارعة والمسابقة، نبصر جليًّا القيمة الصحيحة لهذه الفكرة، والحيز الذي يجب أن تشغله بلا زيادة مشغلة عما هو أولى منها، ولا تقليل من قيمتها تضيع معه الواجبات. فقد أخبر الله عز وجل أن هؤلاء الماشين في الأسواق من الأنبياء والمحققين لطاعته: ﴿...كانوا يُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانوا لَنا خاشِعينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ﴿أُولئِكَ يُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَهُم لَها سابِقونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].
ثم إن المتدبر فيما ختمت به آية الملك آنفة الذكر -"وإليه النشور"- يعي ويدرك مقصد ومراد الله عز وجل بتذكير العبد بأن عمارة الدار التي سيؤوب إليها ويعيش فيها أبد الدهر أولى من الدار التي لا تعدو أن تكون كمثل الزرع الذي يعجب الناس، ثم لا يلبث أن يهيج وييبس كأن لم يكن بالأمس شيئًا جميلًا، فلا يرضى لها ولا يطمئن بها. وقد وقفت على لفتة جميلة في تفسير طبيب القلوب ابن القيم الجوزية -عليه تلابيب الرحمة- يقول فيها:
"ثم نبَّه بقوله ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ على أنّا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين، بل دخلناه عابري سبيل، فلا يحسن أن نتخذه وطنًا ومستقرًّا، وإنما دخلناه لنتزود منه إلى دار القرار، فهو منزل عبور لا مستقر حبور، ومعبر وممر لا وطن ومستقر."
وفي تجلية الصورة الماضية يتبين لنا ثلاثة أصناف من الواقفين على أبواب الحياة: فصنف لا يعرف سؤال الوجهة ولا يعي أهميته، مضيع لدينه ودنياه، وهو شر الثلاثة. وصنف يعي أهمية السؤال وينظر أبعد من أنفه، على أن نظره مقصور على الحياة المادية القادمة. وصنف ثالث هو أجدر الثلاثة بالوعي، وهو الشخص الذي يدرك قيمة المرحلة التي سيقبل عليها، ويبذل السبب المشروع لمواجهة صعوبات الحياة القادمة، ولا يشغله ذلك عن تصور ورسم خطته الإصلاحية، فهو يفكر في الثغر الذي سيسده وسيحمي الأمة من جهته. لسان حاله يقول مقالة الدارقطني حين وقف في وجه الوضاعين على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: "من يجترئ على حديث النبي صلى الله عليه وسلم فأنا له". فهذا هو الذي عرف ثغره ولم يفرط في حق نفسه وأهله، ولا هو الذي شغلته الدنيا عن الأمة التي تحتاجه كالثاني، ولا هو الذي ضيع حياته كالأول أو غيره.
ثم قد يعترض صاحبنا القلق ويقول: "وما المانع أن تكون مسارعتي في طلب الرزق تحقيقًا لما حققوه في مسارعتهم، فأسارع في طلب الرزق لأعين المحتاجين، وأمول العاملين، وأكفي أهل العلم وطلبتهم ليكونوا متفرغين لعلمهم ودرسهم؟" أقول: لا مانع ولا اعتراض، فهذا خير عظيم وباب فضل كبير، وإنما كان قولنا تسديدًا لمن كان غافلًا عن المقام الذي لا بد له أن يسارع فيه، فيمضي عليه العمر راكضًا فيما جعل القرآن له مقام المشي.
ثم قد يقول صاحبنا: "لا بد إذن من تحفيز الناس لسلوك هذا الدرب، فهو خير طريق لإصلاح الأمة اليوم، فكثير من مشاكل الأمة اليوم تعود إلى ضيق ذات اليد، فإذا وجهنا العاملين لهذا الدين نحو تلك الأبواب لكفينا الأمة من شر كثير". أقول: في هذا صواب أيضًا، فحاجة الأمة لمن يقوم على شؤونها المادية حاجة لا شك فيها، وكفايتها لجلب خير أو دفع شر هو إصلاح محمود عظيم. ولكن الأمة اليوم بحاجة إلى العاملين في كل الميادين بلا استثناء، فأن يظن المرء أن الخير كله محصور في هذا الباب، وأن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى هذا الباب، ففيه شيء من الإخلال بإدراك حاجات الأمة ومشاكل واقعها من جهة، ومن العلم بسنن الله من جهة أخرى.
قال صاحبنا: "إذن ما الباب الذي تحتاجه الأمة اليوم أكثر من هذا؟ ما هو الأمر الذي أحوج ما تكون إليه الأمة؟" أعترف للقارئ العزيز أني كنت أقف حائرًا عند هذا الحد في تلك النقاشات، وأن كل إجاباتي بعد هذا السؤال كانت أقرب إلى أن تكون إجابات هزيلة من أن تكون إجابات مؤصلة مدللة بأدلة واقعية أو شرعية، فقد كنت أتوقف عند هذا الحد متأملًا مفتشًا عن الدليل والبرهان. لكني أعود اليوم لأكتب لكم وأحدثكم عن هذه الفكرة بمناسبة وقوفي على بوصلة صححت الكثير من تصوراتي للموضوع، وأكملت ما لدي من نقص في بناء تلك الصورة لهذه الفكرة. هذه البوصلة تمثلت في كتاب الشيخ المربي أحمد يوسف السيد الأخير، الذي وصفه بأنه خلاصة الطريق، ونتاج التجربة، وأفق الرؤية. كتاب بوصلة المصلح.
أنقل لكم إجابة الكتاب على سؤال صاحبنا على عجالة، يقرر الشيخ أن حاجة الأمة اليوم، وواجب الوقت الأعظم، هو صناعة المصلحين، مستشهدًا على ذلك بشواهد من الوحي والواقع، ليقرر مركزية صناعة المصلحين في السنن الإلهية:
"صناعة استثنائية تجديدية، تُخرج حملة للدين، يحيون حقائقه ويتفاعلون بها في الواقع بوعي وحكمة، وهمة، متخذين في سبيل ذلك: الوحي مرجعية، وهدي الأنبياء سبيلًا، والمدرسة المحمدية أنموذجًا، والتزكية زادًا، والعلم ضمانًا، والحكمة منهاجًا، والبصيرة دليلًا، والعمل سبيلًا، والأمة قبلة، وإحياء الإسلام غاية، متلمسين مع اتخاذ الأسباب: العون الإلهي والتوفيق الرباني، بالتوكل والاعتصام والاتباع."
وما أعظمه من واجب، وما أعظمها من إشارة إلى باب خير عظيم غفل عنه الكثير ممن يريدون الإصلاح اليوم. وإذا أردت أن تعي حقيقة ذلك، فانظر إلى أعداد العاملين في المحاضن التربوية على امتداد العالم الإسلامي، ستجد أمرين: الأول: قلة العاملين هناك، مما يؤكد الحاجة الماسة إلى مصلحين يقفون على هذا الثغر العظيم. الثاني: عدم إدراك العاملين -على قلتهم- لأهمية العمل على بناء وتنشئة المصلحين، حتى صارت قصارى ما تتمناه بعض تلك المحاضن: إخراج مسلم عامي يصلي ويصوم! وفي هذا خير، على أنه يكشف عن تدنٍّ كبير في سقف الأهداف والطموحات بين حلم الشيخ وبين واقع بعض المحاضن.
قد يتعذر بعض العاملين بشدة الباطل وقوة التفاهات والواردات على جيل اليوم، مما لا يمكن معه تحقيق تلك الأهداف العالية أو أقل القليل منها، ولكن موطن القوة فيما يطرحه الشيخ أنه ابن اليوم، فما نعايشه نحن من تحديات يعايشه هو أيضًا، ثم إن الشيخ صاحب تجارب طويلة وكثيرة، كما أن طلاب الشيخ الممتدين على أنحاء العالم من شرقه إلى غربه، وغرسه الذي بدأ يثمر ويؤتي حصاده، أدل دليل على أن إيقاد الشموع في وسط الظلام ليس مستحيلًا، وأن نكون النور في وسط الظلام خير من لعن الظلام والتشكي والتسخط. فالمراد أن الشيخ ليس هو الذي ينظّر علينا برؤيته الوردية من برجه العاجي.
وبدون أدنى شك، نحن لا نحصر الخير في هذا، ولا نقول بأن الخير محصور في باب واحد، ونعي قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "كل ميسر لما خلق له"، وندرك ما قرره الإمام مالك في جوابه البديع لما كتب إليه عبد الله العُمري العابد يحضه على الانفراد والعبادة، فكتب إليه مالك: (إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر).
فاستحضار معنى التفاوت في قدرات الناس وأعمالهم في أبواب الخير، بسبب اختلاف استعداداتهم النفسية والجبلية، وتنوع مواهبهم وميولهم، أمر لا بد من مراعاته وأخذه بعين الاعتبار، على أن ما سبق هو مجرد محاولة للوقوف على حاجة الواقع وواجب الوقت الأولى، بغض النظر عن العوامل الذاتية، على أن الشيخ -جزاه الله عنا كل خير- قد فصل في تأصيل ذلك وإثباته في الكتاب، فلا بد لكم من العودة إلى الأصل، فالفرع الهزيل لن يغنيكم.
أعود إلى ما بدأت به من سؤال الوجهة وضياع البوصلة وأسأل: أين المشاريع الإصلاحية لشبابنا اليوم حين يتحدثون عن خططهم ما بعد التخرج؟ أم أن حلم البيت والزوجة الصالحة صار أقصى ما يتمناه الشباب اليوم؟ أين الصادقون العاملون في ميادين الدعوة؟ أين المصلحون عدا عن صناع المصلحين؟ أين المحاضن التربوية في أوساطنا ومجتمعاتنا؟ وإن وجدت، فأين دعمنا وبذلنا لأجل تلك المحاضن؟ أسئلة أتركها لنجيب عليها بأفعالنا، لا بجدالاتنا ونزاعاتنا، فالأمة اليوم أحوج ما تكون إلى العمل والبذل لا النزاع والجدل، والمتأمل في كثرة المتربصين، وتعدد أشكالهم وألوانهم ومشاربهم، ويشاهد حالات النزاع في الأوساط الإسلامية، يعي آية الله في محكم التنزيل: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. جعلنا الله من الصابرين العاملين لدينه بفهم وإخلاص، وبذل وعطاء، واللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.


تعليقات
إرسال تعليق