أحاديث رحلة الأندلس
سوَّفت كثيرًا هذا الشهر، ولم أكتب شيئًا من مقال الشهر حتى وصل بي الحال إلى آخر يوم من الشهر، ولم يُنشر المقال بعد. في بداية الشهر كانت النية أن أكتب عن رحلة الأندلس ومشاعرها وأحاديثها، ثم طرأت عليَّ بعض الذكريات القديمة حول تربية النفوس وتهذيبها، ثم طرأت فكرة الحديث عن الأسرى والمعتقلين وتقصيرنا في حقهم، ثم وقفت على كتابٍ جيد يستحق أن تُكتب فيه مراجعة جيدة، ثم هلَّ علينا العيد فعنَّ في بالي أن أكتب عن أعياد الغربة ومعاني العيد، ومن جانب آخر نازعتني نفسي أن أكمل بعض القصاصات التي بدأت بها من قبل لتصبح مقالًا لذيذًا مكتمل الأبعاد. وبين هذا وذاك انفرط العقد، وكانت الحيرة سيدة الموقف، ولربما ضاعت بعض الأفكار مع كل هذا التسويف، وما أصدق الشاعر حين قال:
لننطلق الآن مع الفكرة الأولى حول رحلة الأندلس وما يتصل بها، ونعود لغيرها في قادم الأيام إن شاء الله. ودعوني أبدأ معكم بالقصة من أولها. من كان عارفًا بما سطَّره المسلمون في الأندلس، فإن العين لا يمكنها أن تخطئ شغفه وحلمه الكبير باستعادة ذلك المجد التليد والماضي المجيد. وأضعف الإيمان وأقل الأحلام هو زيارة لتلك البلاد استئناسًا بجميل قصورها ومروجها، وابتهاجًا بزكاة عبيرها، وارتشافًا من معينها الصافي، وليس يرضى العاشق الولهان بأقل من هذا، لاسيما وأن الحنين قد فاض، والنفس قد عافت أزمنة الذلة والانكسار.
وأنا كغيري من أولئك الناس، تعرفت على الأندلس صغيرًا وأحببتها، فكان حلمي أن أراها رأي العين. سحت بها قارئًا، فمررت على كتب كُتبت فيها، وكتب كُتبت عنها، وكتب كُتبت إليها، فازداد شغفي، وازدانت لوحتها البهية في خاطري أكثر، فكبر الحلم وصارت رؤية تلك المحبوبة أمنية أكبر.
كان من جميل ما وقفت عليه خلال هذا المشوار كتاب وقعت عليه مصادفةً، فذكَّى نار الشوق أكثر. كان الكتاب للمؤرخ الأندلسي المميز حسين مؤنس، بعنوان: "رحلة الأندلس". روى فيه مشاهداته وما مر به في رحلته إلى ذلك الفردوس الموعود -ومؤنس لا يرضى بتسمية الأندلس بالفردوس المفقود، بل هو موعود وعائد لنا ما عدنا إلى دين الله عز وجل، ردنا الله إلى دينه ردًا جميلًا-. عشت معه تلك الرحلة بكل تفاصيلها، لاسيما وأن الكاتب لم يبخل برسم الخرائط والمخططات ونقل الصور التي سهلت تصور وتخيل كل ما رآه وعاينه، كما أرفق مع الكتاب خريطة كبيرة -رُسمت بخط اليد- توضح ما ذكره من مناطق وبلاد. قرأت الكتاب بطبعته الأولى، التي صدرت سنة 1963، ووصلت إلى مكتبة بلدية نابلس سنة 1965. وحسب سجل الإعارة، استُعير هذا الكتاب لأول مرة عام 1992م، أي قبل أن أولد.
كان مما ذكره أن الرحلة إلى الأندلس لا بد ألا تكون عابرة خاطفة، بل لا بد أن تكون هادئة طويلة، ينتقل فيها السائح بالسيارة لا بالطائرة ولا القطار -فإن هذا من الموبقات عنده-، وسبب ذلك أن زائر الأندلس لا بد له أن يمر على كل الأمجاد، وأن يعيش كل الأحداث والانتصارات والعبرات، وأن يتشربها على مكث، لا أن يتنقل من مدينة إلى مدينة فيزور متاحف وقصورًا وأماكن حددها له الإسبان، وأغفلوا وضيَّعوا غيرها. كانت هذه الفكرة موضع استحسان عندي، فحملتها لتكون نصيحة أعمل بها إذا ذهبت إلى هناك. إلا أننا لما رسمنا خطة الذهاب، لم أظفر بإقناع من معي برحلة ومغامرة كهذه، فرضيت بالقليل وتوكلت على الله؛ لأن المحب يرضى من محبوبه بأبسط الأشياء وأصغرها، وما كنت لأفوِّت رؤية الأندلس ولو من فوق السماء!
إلا أن القدر كان في صفي هذه المرة، فلما أتى يوم السفر المحدد، شاء الله أن تفوتنا الطائرة، لتتحول رحلتنا من إشبيلية إلى برشلونة، فصار لزامًا علينا أن نستأجر سيارة نعبر بها من شمال البلاد الشرقي إلى وسطها الجنوبي، فخضنا -بحمد الله- رحلة مميزة بدأت من برشلونة وانتهت بمالقة، حاذينا فيها سيف البحر، ومررنا على مدن وضياع كثيرة.
وليت شعري كيف لي أن أصف مشاعر المرور على تلك الطرقات والوقوف عليها ونحن نعلم يقينًا بأن جيوش المسلمين قد مرت من هنا، بل إن دماء الفاتحين ممزوجة بذلك التراب. شعرنا بالقرب من أشجار الزيتون وبيارات الحمضيات على الطرقات، فالطبيعة والتضاريس والأشجار كلها قريبة منها في بلاد الشام، وكأن صقر قريش عبد الرحمن الداخل لما أتى من الشام إلى الأندلس أخذ معه طبيعة الشام وهويتها وجعلها جزءًا من هذه البلاد. وقد روي عنه أنه استقدم فسيلة نخل من رصافة الشام التي بناها جده هشام بن عبد الملك، ثم أطلق على المنطقة التي نمت النخلة فيها مسمى الرصافة؛ تيمنًا برصافة الشام. وعلى أنه صار أميرًا وحاكمًا في بلاد الأندلس، إلا أن حنينه لأرض الشام بقي يلازمه أبد الدهر، وكان يرى في هذه النخلة الغريبة شبيهًا له في أرض الأندلس، فكان مما قاله فيها:
وفي ذلك الطريق الطويل، مررنا على طركونة، وعلى بلنسية -كما سماها المسلمون-، وعلى شاطبة التي خرج منها الإمام الشاطبي صاحب الموافقات، عليه رحمات الله تترى، والتي قال فيها الشاعر:
"نِعم ملقى الرحل شاطبة
لفتًى طالت به الرُّحلُ
بلدةٌ أوقاتها سحرٌ
وصبًا في ذيله بللُ"
|
|
| شاطبة |
ثم أتينا على مرسية التي أسسها صقر قريش، الذي قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء:
"وأما الإسلام فكان عزيزًا منيعًا بالأندلس في دولة الداخل".
|
|
| مرسية |
ثم مضينا إلى غرناطة، آخر معاقل المسلمين في بلاد الأندلس، التي وسمها الناس بدمشق الأندلس؛ لما فيها من الجمال والخصب ما يشابه أرض الشام. رأينا فيها حي البيازين الذي لا يزال على حاله التي كان عليها منذ كان فيه المسلمون، يخبرنا عن حياة الشعوب في ذلك الزمن. ترى فيه الساحة والنافورة الشامية، ومنه تطل على تلة قاسيون -تيمنًا بقاسيون الشام- التي يقع عليها قصر الحمراء، إطلالة خلابة ومنظر مطرب، يخبرنا بما كانت عليه حياة الإنسان العادي في ذلك الوقت، عدا عن حياة الملوك والأمراء.
|
|
| حي البيازين |
أما قصر الحمراء وقصبته الرائعة، فحكاية أخرى وعالم آخر من الإبداع في العمارة، ومحاكاة أجمل المشاهد التي يمكن أن يتصورها إنسان. فيه النوافير الجميلة، والأنهار التي تجري من تحت الأقدام، محاكاة لوصف جنة الخلد التي أخبر عنها رب العالمين، وفي تلك القصور ترى الحمامات الكثيرة في وقت كانت أوروبا فيه لا تعرف النظافة. يقول فريدريك نيتشه:
"في المسيحية الصحة منكرة بوصفها حسية، بل إن الكنيسة تقاوم النظافة، فأول إجراء قام به المسيحيون بعد طرد مسلمي الأندلس كان إقفال الحمامات العامة، التي كان في قرطبة وحدها منها 279 حمامًا".
|
|
| قصر الحمراء |
وبعدها توجهنا إلى قرطبة، درة الأندلس وتاجها المرصع، والتي بمقام الرأس من الجسد في بلاد الأندلس، دار العلم والعلماء، رجالًا ونساءً. واسألوا عن عائشة بنت أحمد القرطبية، التي قالوا عنها: إنه لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علمًا وفهمًا وأدبًا وشعرًا وفصاحة وعفة وجزالة وحصافة. كانت حسنة الخط، تكتب المصاحف والدفاتر، وتجمع الكتب، وتُعنى بالعلم، ولها خزانة علم كبيرة. ومنها خرج المفسر الشهير أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، ومنها خرج للعالم الفقيه الكبير ابن حزم الأندلسي، ومنها خرج المحدث العلم بقي بن مخلد، والعالم الطيار عباس بن فرناس، ومنها خرج الطبيب الذي يعتبر الأب الروحي لعلم الجراحة الحديثة أبو القاسم الزهراوي، وغيرهم من الأعلام والعلماء، رحمهم الله وجعل الجنة مثواهم.
ازدهرت في قرطبة الحضارة الإسلامية أيما ازدهار، وبلغت ذروة سنام التقدم والتطور. دخلها صقر قريش في مثل أيامنا هذه من عيد الأضحى من سنة 138هـ.
|
|
| قنطرة الوادي، ومن خلفها جامع قرطبة |
وحتى لا أثقل على القارئ الكريم، فلن أمر على هذه الأربع، لكني لن أفوت الحديث عن مشاعر دخول جامع قرطبة العظيم، الذي كان جامعة ضخمة يضم في متكآته معلمين ومدرسين لشتى العلوم والفنون، ينثرون دررهم للطلاب المتحلقين حولهم، القادمين من كل الأمصار. كان الشاب الأوروبي صاحب الهم والهمة العالية لا يرضى بأقل من الدراسة في هذه الحواضر العلمية، كانوا يفخرون على بعضهم بالدراسة في حواضرنا، فهذا درس في قرطبة، وذاك في طليطلة، والآخر في إشبيلية، وكل واحد منهم يفخر على الآخر بمعرفته بأشعار العربية وتعبيراتها. واستمع لشهادة القس ألفارو القرطبي (Álvaro de Córdoba)، التي كتبها سنة (854م)، ينعى فيها حال شباب النصارى ذلك الوقت، وذوبانهم الحضاري في لغة وأساليب الثقافة الإسلامية، وإعجابهم بآدابها، واحتقارهم المسيحية، حيث قال فيها:
((يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق.))شكرًا لوصولك إلى هنا عزيزي القارئ، يسعدني تعليقك، وتسعدني مشاركتك المقال مع من تحب.
أحب مقالاتك
ردحذفأتمنى ان تستمر دومًا