ما الذي يمنع القوي من البغي؟ - مراجعة كتاب تأثير الشيطان

في هذه المراجعة السريعة أحاول أن أستعرض الفكرة المركزية للكتاب، ثم أتأمل كيف عالجت الشريعة الإشكالية التي يقدمها الكتاب.

ينطلق الكتاب من فكرة مركزية يريد الاتب أن يثبتها مفادها أن الأفعال الخاطئة أو الشريرة التي تصدر من الإنسان لا تكون بالضرورة دليلاً على سمات شريرة متجذّرة في شخصيته، فقد لا يكون الإنسان شريرًا في ذاته أصلًا، بل قد يكون إنسانًا طبيعيًا في حياته، لكن سياقًا معينًا وظروفًا محددة تجعله يتصرف بطريقة شريرة.

وهذه الفكرة هي أطروحة متداولة في علم النفس لتفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية المختلفة، وتُسمّى بالأطروحة الموقفية. وهذه الأطروحة تعطي الأولوية للبيئة والظروف والسياقات التي تحيط بالإنسان في التأثير على تصرفاته. ويعتقدون أن تأثير هذه الظروف أكبر من تأثير السمات الشخصية.

في مقابل الأطروحة الموقفية، توجد أطروحة أخرى تُسمّى بالأطروحة النزوعية، ترى أن الإنسان يتصرف وفق شخصيته وميوله ومعتقداته وقيمه وسماته الشخصية، وأنها الأولوية في تفسير سلوك الإنسان، ومن خلالها يمكن فهم نزوع الإنسان نحو الخير أو الشر.

ومؤلف هذا الكتاب فيليب زيمباردو، يُعد من أكبر المنظّرين للأطروحة الموقفية. وهو دكتور في علم النفس، وقدم وعاش العديد من التجارب رسخ من خلالها هذا التوجه، ومن أشهرها تجربة سجن ستانفورد. وكانت هذه التجربة في مطلع السبعينات وهي محاكاة لدراسة تأثير السجن على السجناء والحراس. نفذت التجربة على طلابة جامعة متعلمين، أسوياء نفسياً. لكن الشيء الصادم كان كيف أن الحراس تحوّلوا مع الوقت إلى مؤذين ومعتدين على السجناء، برغم أنها مجرد تجربة، وبرغم أنها لم تستمر سوى عشرة أيام فقط. وكان الأمر صادما وعجيباً لمن قاموا بالتجربة وكثر الحديث عن هذه التجربة في علم نفس الاجتماع وصارت مركزية؛ إذ كيف يمكن لأشخاص متعلمين وأكاديميين أن ينخرطوا بهذا الشكل في القسوة لمجرد أنهم وُضعوا في هذا الدور وفي ذلك السياق؟ وهذا التحول كان نتيجة مباشرة للظروف التي يخلقها السجن.

لمن يحب الإطلاع على التجربة ولا يفضل قراءة الكتاب، يمكنكم مشاهدة هذا الفيلم الوثائقي: The Stanford Prison Experiment

وقد روى تجربة سجن ستانفورد بتفصيل طويل في الكتاب، يومًا بعد يوم: من اليوم الأول إلى الثاني إلى الثالث، إلى أن وصلت التجربة إلى مرحلة خطيرة لدرجة أن زوجته نبّهته إلى أن الأمر يتحول إلى شيء مؤذي، وأنه يجب إنهاء التجربة، فاستجاب لذلك وأنهاها.

ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن سجن أبو غريب وما حدث فيه من اعتداءات كبيرة وتجاوزات إنسانية، وكان زيمباردو محامي دفاع عن أحد الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في التعذيب في سجن أبو غريب في العراق، فاطّلع على كثير من الصور والشهادات عمّا حدث هناك، ورأى بنفسه صور لمشاهد التعذيب البشعة وغيرها من الانتهاكات. 

ومن خلال هاتين القضيتين الكبيرتين حاول في هذا الكتاب أن يفسّر ويوضح أثر الظروف المحيطة على الشخص، وكيف يمكن أن ينتقل الإنسان من وضع عادي إلى سلوك شرير. وخلص بعد ذلك إلى الاستراتيجيات التي يتم من خلالها تحول الإنسان العادي إلى معتدي يتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، أورد هنا أهمها: 

  • فقدان الفردية: حالة يفقد فيها الإنسان إحساسه بهويته الشخصية ومسؤوليته الفردية، فيذوب داخل الجماعة أو داخل الدور الذي أُعطي له، فلا يعود يتصرف بوصفه فلانًا صاحب قيم وضمير وتاريخ، بل بوصفه مجرد جزء من كتلة أو وظيفة.
    في تجربة سجن ستانفورد مثلًا، الحارس حين ارتدى الزي والنظارة العاكسة وحمل العصا، لم يعد يشعر أنه «طالب جامعي اسمه كذا»، بل «حارس سجن». ومع هذا التحول في الهوية، صار أسهل عليه أن يقسو، لأنه لا يرى نفسه مسؤولًا أخلاقيًا كفرد، بل منفّذًا لدور.
    وعندما عرض خلاصات تجربة ستانفورد، أورد الكثير من تجارب علم النفس والاجتماع الأخرى التي تثبت كيف أن الإنسان في كثير من الأحيان يتصرف بطريقة معينة بسبب سلوك من حوله، أو بسبب شعوره بأنه مجهول الهوية، أو لأنه لن يعود إلى هذا المكان، أو لأن ما يحدث لن يكون له أثر على حياته الأصلية، أو لأنه يعتقد أن أحدًا لن يعرف ما قام به. وفي مثل هذه الظروف قد يرتكب الإنسان أفعالًا كبيرة من الشرور والمخالفات.
  • نزع الإنسانية عن الضحية: وهي أن يتوقف المرء عن رؤية الآخر كـوجه وقصة وإنسان مثله، ويبدأ برؤيته كشيء أو كعبء أو كعدو؛ وعندها يصبح الظلم ممكنًا بلا وخز ضمير. ويمكن رؤية هذا الأمر بوضوح حتى في الواقع المعاصر؛ كما يحدث في حرب غزة، حين تُستخدم أوصاف تحطّ من إنسانية الناس وتجرّدهم من صفتهم البشرية. 
  •  شرّ التقاعس: أن يرى الإنسان ظلمًا أو أذى أو انتهاكًا يحدث أمامه، ويكون قادرًا بدرجة ما على التدخل أو المساعدة أو الاعتراض، لكنه يختار الصمت والانسحاب وعدم الفعل.

ولا شك عندي أن تفسير السلوك الإنساني تفسيرًا أحاديًا، سواء بالنزوعية أو بالموقفية الخالصة، تفسير قاصر في الحالتين. فاختزال الإنسان في سماته الداخلية فقط أو في الظروف الخارجية فقط فيه قدر من التبسيط المخلّ بطبيعة النفس البشرية. ولهذا نجد أن كثيرًا من الدراسات الحديثة في علم النفس الاجتماعي صارت تحاول الجمع بين العاملين، وترى أن السلوك نتيجة تفاعل مستمر بين الداخل والخارج معًا، لا نتاج أحدهما منفردًا.

وفي التصور الإسلامي تبدو هذه النظرة المتوازنة أكثر وضوحًا؛ فالبيئة المحيطة بالإنسان معتبرة ومؤثرة بلا شك. فالصحبة الصالحة عون على الطاعة، والإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، ومجالس الذكر تحفّها الملائكة. (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه")، وفي المقابل شبّه النبي صلى الله عليه وسلم صاحب السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحًا خبيثة، إشارة إلى أثر البيئة الفاسدة على النفس. وكل ذلك يدل على أن المناخ الذي يعيش فيه الإنسان يعينه على الخير أو يجرّه إلى الشر. 

لكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا التأثير سقوط المسؤولية عن الفرد. فكل هذا لا يلغى وزر الذنب بحجة الظروف، ولا يُعفى الإنسان من اختياره بدعوى أنه نشأ في بيئة ضاغطة. بل تظل له إرادة وتكليف، وتبقى تلك الظروف نفسها جزءًا من الامتحان الذي يبتليه الله به؛ هل يستسلم لها أم يجاهدها؟ فالسياق مؤثر، لكنه ليس قاهرًا.

خلال قراءتي للكتاب، ومع تتبّعي لهذه التحولات وما يورده زيمباردو من شواهد وتجارب، كان دائمًا ينطرح في نفسي سؤال جوهري عن الحضارة التي يظن الناس أنها أعظم اليوم وفي الوجود ربما:  كيف عجزت هذه الحضارة عن منع هذا القدر من الظلم والاعتداء؟ كيف يمكن لأنظمة حديثة ومؤسسات منظمة أن تُنتج هذا المستوى من القسوة والإجرام والتجرد من الإنسانية؟

وأنا، كإنسان مسلم متصل بمرجعيته التي أرى فيها الشمولية والهيمنة القيمية على كل ما دونها، كنت أعود دائمًا إلى سؤال موازٍ: كيف عالج الإسلام هذه الإشكالية؟ وكيف وضع للإنسان من الضوابط ما يمنعه من الانحدار إلى هذا المستوى، سواء كان في سجن أو في أي سياق يملك فيه سلطة على غيره؟

حين نتأمل روح الشريعة نجد أنها قائمة من أصلها على معاني الإحسان والمراعاة والرفق، حتى في النصيحة وطريقة إيصالها. هذه المعاني ليست إضافات تجميلية، بل هي نَفَس عام يحكم علاقة الإنسان بالآخر، ويشكّل حاجزًا أخلاقيًا يمنعه من التوحش أو من استسهال الأذى.

لكن بدا لي أن الأهم هو النظر في المواضع التي قد يُظن أنها مظنّة قسوة بطبيعتها، مثل إقامة الحدود؛ إذ قد يتصور البعض أنها مساحة مفتوحة للعنف أو التشفي. غير أن التأمل فيها يكشف العكس تمامًا.

ففي قصة الغامدية، بعدما أُقيم عليها الحد، صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم. فلما استشكل عمر رضي الله عنه ذلك قال:

«والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو قُسِّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم».

فالذنب هنا لا يتحول إلى وصمة أبدية، ولا يُختزل الإنسان في معصيته؛ بل يُنظر إليه من زاوية توبته ورجوعه إلى الله. كأن الشريعة تقطع الطريق على النفس أن تتغذى على احتقار المذنب أو التشفي منه.

وكذلك في حادثة الرجل الذي شرب الخمر وأُقيم عليه الحد، فلما قال بعضهم: أخزاه الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم».

حتى في لحظة العقوبة يبقى أخًا، وتُمنع أي مشاعر شماتة أو إذلال. 

وإذا انتقلنا إلى التفصيلات الفقهية وجدنا الصورة أوضح. أتذكر جلياً لما درست أخصر المختصرات في الفقه الحنبلي، وحين ذكرت إقامة الحدود، قال ابن بلبان: 

"- ويضرب رجل:

- قائما.

- بسوط لا خلق ولا جديد.

- ويكون عليه قميص وقميصان.

- ولا يبدي ضارب إبطه.

- ويسن تفريقه على الأعضاء.

 ويجب اتقاء وجه، ورأس، وفرج، ومقتل.

- وامرأة كرجل، لكن:

- تضرب جالسة.

- وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها." 

 أخصر المختصرات، ط ركائز - ص311-312.

هذه القيود الكثيرة لا تبدو شروط إيقاع بقدر ما تبدو شروط حماية. وكأن الشريعة، حتى وهي تعاقب، لا تسمح بأن يتحول العقاب إلى تعذيب، ولا إلى تنفيس عن غضب، بل تبقيه في حدّه الأدنى الذي يحقق الردع من غير انتهاك للكرامة الإنسانية. وأتذكر جلياً كيف كان تعليق الشيخ محمد باجابر على هذه الجمل بأنها جاءت في مصلحة المجلود لا الجلاد.

انظر مقطع: الحدود للتأديب لا للتعذيب (رحمة الفقه) | الشيخ محمد باجابر

وهنا يتضح الفرق الجوهري بين ما يتحدث عنه زيمباردو من أن السياق قد يطلق أسوأ ما في الإنسان إذا تُرك بلا ضوابط، وبين منظومة تشريعية تحاصر نوازع الشر من داخل النفس قبل خارجها؛ فتذكّر بالنية، وتربط بالأخوة، وتقيّد السلطة بسلسلة من الشروط الأخلاقية والعملية.

فليست المشكلة في امتلاك السلطة، بل في غياب الضابط الذي يمنعها من أن تتحول إلى قسوة. وهذا الضابط، في التصور الإسلامي، ليس قانونًا فقط، بل تربية مستمرة على الرحمة والعدل معًا

ومن هنا لم يكن سؤال الكتاب عندي: كيف يتحول الأخيار إلى أشرار؟ بقدر ما صار السؤال الأهم: أيُّ منظومةٍ تحمي الإنسان من نفسه حين يملك القوة؟

فالحمدلله الذي جعلنا مسلمين مؤمنين، نؤمن بمرجعية الوحي تعظيماً وتحكيماً وتسليماً واستغناءً. 



تعليقات

إرسال تعليق