همّك كبير؟ جرب أن ترى أبعد

يختلج في صدري شيء من معاني الشفقة والرحمة على كثير من الناس الذين تنحصر أهدافهم وآمالهم في الدائرة الدنيوية الضيقة، فلا ينظرون إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، ولا يتجاوز بصرهم الزمان الذي يعيشون فيه.

ولو تأمّل الإنسان قليلًا في خلق الله سبحانه وتعالى لأدرك ضآلة حجمه؛ فإن الله عز وجل لما خلق هذا الكون خلقه كونًا واسعًا ممتدًا، جعل مجرّتنا جزءًا منه، وجعل مجموعتنا الشمسية جزءًا من هذه المجرّة، وجعل كوكب الأرض جزءًا من هذه المجموعة الشمسية، ثم هذا الكوكب نفسه نحن نعيش على جزء صغير جدًا منه. كل ذلك ليُدرك الإنسان صغر حجمه، وفي المقابل سَعة هذا العالم وسَعة هذه الآفاق.

ثم بعد هذا كلّه، تجد الإنسان ينحصر في دائرته الضيقة، ويظنّ أنه هو مركز الكون، وأن همومه هي كل ما في الوجود! 

ومن جهة الزمان، فإن الله عز وجل لم يخلق هذا الكون في هذه اللحظة، ولم تبدأ الحياة مع الجيل الذي نعيشه، بل هو تاريخ طويل ممتدّ، تعاقبت فيه أمم بعد أمم، وقامت فيه حضارات وإمبراطوريات بلغت من القوة والعمران مبلغًا عظيمًا، ثم لم يمنعها ذلك كله من الزوال والانقضاء.

وقد قصّ الله علينا أخبارهم، فقال سبحانه عن ثمود: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: 82]، وقال جلّ وعلا عن عاد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 6–8]، وقال عن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 4].

فهؤلاء كانوا في زمانهم في ذروة القوة، والملك، والعمران، والبأس، ومع ذلك لم تُغنِ عنهم قوتهم شيئًا لما بغوا وطغوا، فمرّوا على هذه الأرض، وعاشوا، وبنوا، وفعلوا، ثم انتهت قصتهم، وبقيت العبرة.

واستحضار هذه السنن الإلهية في الأمم يُخرج الإنسان من وهم اللحظة، ومن اعتقاد أن ما يعيشه هو نهاية التاريخ أو مركزه، ويجعله يرى نفسه وواقعه ضمن سياقٍ أوسع: سياق سنن الله التي لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل لأجل أحد.

ثم يأتي بعده التفكر فيما هو قادم، وما سيقع على هذا الكوكب من أحداث وما سيقع لهذه الأمة من ملاحم وتحولات وتقلبات، وفق سنن الله الجارية التي لا تتبدل وما أخبرنا به رسولنا الكريم ﷺ. ثم أبعد من ذلك كلّه، وأعظم منه شأنًا، الحياة الآخرة؛ بما فيها من أهوال وأحوال، وبما أعدّ الله فيها من جنة ونار، وأنها هي الحياة الأبدية التي لا فناء لها ولا انقضاء.

هذا كله عدا عن عوالم الغيب، وعوالم الجن والملائكة وما يتعلق بها من آيات وأمور نعرفها وأخرى لا نعرفها. 

وإدراك هذا واستحضاره  يُخرج الإنسان من أسر اللحظة التي يعيشها، ومن ضيق الهمّ الدنيوي الذي يثقل قلبه، ويكدّر عقله، ويشغل نفسه، وربما أضعف روحه وأرهقها، فيخرجه إلى سعة الزمان والمكان في خلق الله.

ولهذا، فإن حلّ كثير من المشكلات في حياة الإنسان يكون في أن يُبصر الحجم الحقيقي لهذه المشكلة التي يعاني منها، حين يضعها في ميزانه الصحيح: في ميزان هذا الكون الواسع، وفي ميزان تاريخ البشر، وفي ميزان الآخرة الباقية.

أن يُقاس الهمّ الدنيوي الزائل بالحياة الأخروية القادمة، وأن توضع الأمور في مواضعها الصحيحة؛ فهذه نعمة عظيمة، وهبة من الله سبحانه وتعالى، يرزقها من يشاء.

وفي هذا المعنى وما يقاربه أُحيل إلى محاضرة الدكتور أحمد عبد المنعم: «النظر إلى السماء». 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة كتاب "طليعة الاستهداء بالقرآن" للشيخ بدر آل مرعي

مراجعة كتاب سبيل المصلحات - الشيخ أحمد السيد حفظه الله

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة – آلان دو بوتون

فوق السماء وتحت النجوم

تدبرات إصلاحية في قصة نبي الله شعيب

طالب العلم في زمن الابتلاء

التباين الإصلاحي بين الأجيال