القرب حجاب

من لطف الله سبحانه وتعالى على العبد أن يهبه البصيرة لإدراك ما يؤثر في نفسه، وفي انبساطها وانقباضها، وفي إقبالها وإدبارها؛ فحين يتملك المرء مفاتيح نفسه كان أقدر على التعامل معها، وعلى حثها على مزيد من العطاء والبذل. والنفس البشرية نفس معقدة، تحتاج إلى فهم واستيعاب حتى تستطيع أن تروضها، والجهاد معها عظيم، حتى عدّ بعض العلماء جهاد النفس أعظم الجهاد.

وقد تأملت طويلًا في النفس البشرية، فرأيت أن مما يؤثر فيها: أن قربها من نعمة الله لربما يكون حاجبًا لها عن إدراك فضلها. وهذا المعنى تداولته العرب قديمًا، وما زال حيًا على ألسنة الناس، يقولون: القرب حجاب.

ولعل القرب من النعمة، ومن مورد الخير، ومن أسباب التحصيل، لا يكون دائمًا باعثًا على الشكر ولا محفزًا على الاجتهاد؛ بل قد يتحول – مع طول الألفة – إلى حجاب عن إدراك الفضل، وعن استشعار عظمة المنّة. فربما حين يكون البعد حاضرًا، تذوق النفس لوعة الحرمان، وترى قبح ما هي فيه، فتشتد حاجتها إلى النعمة، وتعظم قيمة مورد الخير في قلبها. أما إذا دنت النعمة، خفت الإحساس، وضعفت اليقظة، وصارت الأمور العظيمة مألوفة، والمألوف قليل الأثر.

ومن هنا، كان من أنفع ما يعالج به الإنسان نفسه أن يتعمد بين الفينة والأخرى الابتعاد عن المشهد الذي اعتاده، لا هجرًا للنعمة، ولكن ينظر إلى حياته من مسافة ليبصر ما حجبه القرب، ويستشعر ما سلبته الإلفة من حرارة الشعور. فالإلفة إذا طال أمدها أطفأت الدهشة، ومع ذهاب الدهشة يبهت الشكر، ومع ضعف الشكر يضعف العمل. وهذا هو المعنى العميق الكامن في قولهم: القرب حجاب.

ولهذا ذكّر الله قريشًا بنعمته عليهم، لا ليُطمئنهم بها، بل ليحذرهم من الاغترار بها. ذكّرهم بالأمن بعد الخوف، وبالطعام بعد الجوع، وباجتماع الثمرات لهم في كل صيف وشتاء، ثم صرفهم عن التعلق بالنعمة إلى عبادة المنعم: ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾. فالنعمة إن لم تقودك إلى العبودية للمعبود صارت وبالًا، وإن لم توقظك أورثتك غفلة.

ومما يعين النفس على شق هذا الحجاب ما يسميه أهل العلم: توطين النفس على الأسوأ. لا تشاؤمًا، ولا سوء ظن بالله، ولكن وعيًا بحقيقة الدنيا. فالنعمة التي بين يديك اليوم قد لا تكون غدًا، والسياق الذي تعيش فيه لن يبقى إلى الأبد، والدور الذي يقوم به غيرك الآن قد تُكلَّف به وحدك يومًا ما. وربما تأتي لحظة تكون فيها حامل الراية الأولى، بلا سند ولا ترف. فهل أعددت نفسك؟ وهل دربتها على الفقد قبل أن تفاجئك الصدمة؟

استحضار احتمال الأسوأ لا يطفئ الرجاء، بل يهذب التعلق بالأسباب ويربطها بالمسبب الغلاب، ويمنع الإلفة من أن تتحول إلى غفلة. وهو كفيل بأن يعيد للنفس يقظتها، وللنعمة طعمها، وللطاعة معناها.

وقد يبتلي الله العبد بشيء من الحرمان ليدرك مقدار ما فيه من النعمة: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، والابتلاء بالخير يكمن جزء منه في استشعار النعمة والقيام بحقها، وعدم الاغترار بظاهرها عن المنعم.

نسأل الله أن يهبنا قلبًا يقظًا لا تخدّره النعم، ونفسًا تُجاهد لتبقى شاكرة عند القرب، صابرة عند البعد، عاملة في الحالين. فالقرب إن لم تُحسن التعامل معه صار حجابًا، والبعد إن أحسنت استثماره صار بابًا.

تعليقات

  1. إذًا من تمام نعمة الله على هذا المخلوق البشري الضعيف الذي يعيش في هذه الدنيا أن يقلّبه الله بكامل رحمته ما بين نعمة وبلاء... ومن فهم معنى هذا النص أصبحت حاله عجيبه من الرضى؛ لأنه قد علم أن رصيده من البلاء سيصب خيرًا في رصيده من الاستمتاع بالنعم حينما تأتي، وأن رصيده من النعم لا يدوم في هذه الدنيا فيستعد لما هو قادم، وهكذا يبقى حاله لا فرح يُطغيه ولا حزن يحطمه، بل حاله العامّة الرضى والتسليم والفَهم عن الله سبحانه.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة كتاب "طليعة الاستهداء بالقرآن" للشيخ بدر آل مرعي

مراجعة كتاب سبيل المصلحات - الشيخ أحمد السيد حفظه الله

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة – آلان دو بوتون

فوق السماء وتحت النجوم

تدبرات إصلاحية في قصة نبي الله شعيب

طالب العلم في زمن الابتلاء

التباين الإصلاحي بين الأجيال