من الأمة بين احتلالين إلى واقعنا اليوم
من أوجه تشابه حقبة سلسلة الأمة بين احتلالين وحقبتنا:
1- كثرة الأعداء الخارجيين، وتسلطهم على الأمة. ففي تلك الحقبة كان العدو الصليبي من جهة، والعدو المغولي من جهة أخرى، وكذلك الحال في شتى الأقطار، ففي الأندلس أيضًا كان المسلمون يعيشون أشد هجمات العدو الصليبي عليهم.
2- كثرة الانقسامات الداخلية، والتفرق والتنازع، والصراعات بين المسلمين من أبناء الدولة الواحدة حتى، فمنذ وفاة صلاح الدين الأيوبي، والأيوبيون ومن حولهم من الخوارزميين والسلاجقة وأمراء الممالك المفترقة في صراع مستمر، لا تكاد تصفو الأجواء إلا وأخذهم يهجم على الآخر، أو يتحالف مجموعة منهم ضد بعضهم بعضًا، وهكذا تتبادل الأحلاف في صراع مستمر.
3- عدم وجود مرجعية جامعة حقيقية، ففي ذلك الزمن وإن كانت كافة الدول القائمة تتبع بالشكل إلى الخلافة العباسية، إلا أن الواقع كان غير ذلك، فالخلافة العباسية لم تكن سوى غطاء لهم، وواقعهم التفرق والتنازع، بل حتى وساطات الخلافة في الإصلاح بين المتنازعين كانت تُرد في بعض الأحيان.
4- وجود التنازلات السياسية المؤلمة تحت ضغط الواقع والوهن الذي أصاب المسلمين، ففي هذه المرحلة تم التنازل عن بيت المقدس مرتين! وفي كلا المرتين لم يكن ذلك التنازل إلا مذلة وخزيًا وخيانة لأمانة الأقصى، عدا عن تسليم بعض الحصون التي كانت خنجرًا في خاصرة الأمة الإسلامية، وعدا عن الدنية التي كان يعطيها الأمراء المسلمون للمغول أملًا بألا يغزوهم ويبيدوهم، وفعلوا رغم ذلك.
5- أن المتضرر الأكبر من هذه الحروب والمآسي هم العامة، فنتيجة الخلافات السياسية، والتسابق على الملك، وعدم الالتفات إلى العدو الخارجي، كان عوام الناس هم الخاسر الرئيسي في هذه الحروب. خذ مثلًا مدينة دمشق في تلك الحقبة، وحاول أن تحصي عدد المرات التي حوصرت فيها، وقيل إن الناس بلغوا الجهد فيها! وغيرها من المدن، والفظائع التي كانت تُفعل حين يدخل أحدهم على منطقة الآخر، فكانت الاستباحة للفروج والأموال، والإهلاك والإفساد، والله المستعان.
6- قدرة بعض الشجعان وأصحاب السياسة والذكاء على صيانة شيء من دماء المسلمين بحسن تدبيرهم، وهذا لربما ليس معلم تشابه واضحًا بقدر ما هو نافذة أمل للأمة بأن المصلحين والعاملين في سياقنا اليوم سيكتب الله عز وجل على أيديهم خيرًا ينفع به الأمة.
واستقراء أوجه التشابه، والنظر إلى السلسلة من خلال هذا الإطار، فيه فوائد، منها:
1- بعث الأمل في نفوس الناس، فالذي يقرأ هذا التاريخ المؤلم وهذه المآسي لا بد له أن يعلم أن هذه الأمة منصورة بإذن الله، وأنه مهما تعاظمت قوة عدوها الخارجي، ومهما ضعف أبناؤها وتفرقوا، فالأمل باقٍ، وإصلاح المصلحين لن يذهب سدى، فالذي قدر للأمة أن تعيش سنوات عز بعد تلك المآسي قادر على أن يعيد خلافة على منهاج النبوة، بعدما مرت به الأمة من مآسٍ في الزمان المعاصر.
2- تحقيق مقصد السير في الأرض للاعتبار، وهذا مقصد قرآني، قال الله عز وجل: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. قال ابن عاشور:
«وفي الآية دلالة على أهمية علم التاريخ؛ لأن فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل، وأسباب صلاح الأمم وفسادها».
وقال ابن عرفة:
«السير في الأرض حسي ومعنوي، والمعنوي هو النظر في كتب التاريخ بحيث يحصل للناظر العلم بأحوال الأمم، وما يقرب من العلم، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لعجز الإنسان وقصوره».
3- الفقه الإصلاحي على جانبي حماية بيضة الإسلام، وجانب حفظ مادة الدين، فمن خلال هذا الاعتبار التاريخي، ومعرفة أخبار الدول والممالك، وكيف تقوم وكيف تسقط، وما يصلح الأمة وما يفسدها، وما يحفظ الدين وما يضيعه، يكون المصلح أقدر على التحرك في واقعه، وقد أضيفت إلى خبرته خبرات غيره من الناس.
4- التنبه إلى واجب العلماء والقضاة وأهل الفقه في مثل هذه الحوادث، وملاحظة تماسهم مع تلك الأحداث، وتثبيت الناس، والأخذ على أيديهم، وإرشادهم للحق، وإنكارهم المنكر، وأمرهم بالمعروف.
وغيرها من الفوائد التي يضيق المقام عنها.
وبإذن الله تعالى، في قادم الأيام يكون لي وقفة مع كل حلقة من الحلقات الجديدة التي تُنشر، ونقف على أهم الفوائد فيها، مدعمًا بملخص للأحداث على شكل PDF. سأنشر ذلك عبر قناة إكسيريات بإذن الله.
وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا، وأن يتقبل منا، إنه هو السميع العليم، وأن يرضى عن شيخنا أحمد السيد، ويبارك في عمره، ويؤتيه سؤاله، ويزيده من واسع فضله
نضّر الله وجهكم على هذه الجهود الطيّبة، وزادكم إحسانًا، وتقبّل منكم وجعلها ثقيلة جدًا عند ربكم، وفتح بها لكم خيرات الدنيا والآخرة.
ردحذف