صديقي يرى في كل شيء آية!

عندي صديق يملك إحساساً عجيباً، ولا يمر عليه موقف ولا مشهد إلا ويستخرج منه العديد من العبر والحكم والفوائد. حين أكون معه قد يمر بنا موقف عابر، أو مشهد عادي، فأراه يحدثني ويستنبط من أبسط الأشياء أمثالاً وهدايات.

ولربما كان هذا مثالاً على القلب الحي؛ القلب الذي يرى كل ما في الوجود دالاً على الله سبحانه وتعالى، وهادياً إليه عز وجل. فطباع الخلق المختلفة تخبرك بنقص الإنسان أمام كمال الحي القيوم، ومشاهد الطبيعة والماء والسماء تخبرك عن بديع من خلق هذا الجمال.

وهذا التأمل والاستنباط بالأمثال كثيراً ما يذكرني بأمثال القرآن؛ لأن صاحبي هذا عجيب التأمل في أمثال القرآن. وما أشكل علي مثل إلا وسألته، فوجدت عنده من عجيب التأمل في تلك الأمثال. أحدثه دوماً، حين يحدثني عنها، عن قول الله عز وجل في سورة العنكبوت:

﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ

يقول الإمام السعدي رحمه الله:

أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى قلوبهم. وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحث على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين. والسبب في ذلك أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة. فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء الله بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها.

وقد أسرني قوله: وصل العلم إلى قلوبهم. وكيف أن هذا الدين يقطع فيه العبد المسافات والأميال بقلبه، لا بجمعه وكثرة حفظه وقراءته فقط. وكأنها رسالة تقول لك: أترى هذه المضغة التي بين جنبيك؟ كم وصل إليها من هدايات ما عرفته من العلم؟ ربع العلم؟ ذاك نصيبك من العلم. نصفه؟ ذاك نصيبك من العلم. كله؟ فأنت من العالمين.

وتخيل كيف أن المعلومة التي تدخل إلى ذهنك بحاجة إلى شيء من المكابدة الشعورية ليتجلى أثرها. لا بد لها أن تلامس القلب حتى تحرك فيك شيئاً؛ ربما يكون عملاً مباشراً وامتثالاً، وربما يكون حمية شعور في القلب، أو خوفاً من الجليل، أو استعداداً تعده ليوم الرحيل. فإذا أنت تذوقت تلك المعاني وعشتها، وتمثلتها ونقلتها وحملتها، لم تعد وعاءً لهذا العلم فحسب، بل صرت روحاً تذوقت فأضافت على ذلك العلم شيئاً.

وما بين دخول المعلومة إلى ذهنك وانتقالها إلى قلبك رحلة طويلة، ليست بالأميال، ولكنها بالمفازات القلبية. فالقلب قد يعلوه ران يحجب عنه بعض الهدايات، والعبد قد يسلب التوفيق فلا يبصر في المعلومة فوق ما هي عليه في ظاهرها، فيبقى في قشور العلم ولا يلج إلى حقيقته، ولا يتذوق منه شيئاً. وهذا محروم من لذات كثيرة، هي التي قال عنها الشافعي رحمه الله:

إني لأسمع بالكلمة مما لم أسمع، فتود أعضائي أن يكون لها آذان، فتستمع لما استمعت له أذني.

وحتى النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يألو جهداً في تقريب المعاني العالية من خلال المشاهد التي تمر بالناس، فيرسخ فيهم الكثير من الأفكار العظيمة بأمثال محسوسة. فقد رأى جنازة، ومر على شاة ميتة، ورأى امرأة تبحث عن ولدها، وضرب لأصحابه مثلاً بخط مستقيم وخطوط عن يمينه وشماله، وكل ذلك ليقرب لهم المعنى، ويجعله حياً في القلب.

خرجت يوماً من البيت ذاهباً، وقلت في نفسي: سأحاول في هذا اليوم أن أعيش شيئاً من تلك الروح التي ترى في كل شيء آية. فخرجت بما يلي من المعاني:

  • خرجت في الصباح الباكر، ورأيت الناس يتراكضون في محطات القطار والترام والمترو، كلهم يركض نحو عمله وشغله، وكلهم مشغول البال. فتذكرت أن عامر بن عبد قيس كان إذا أصبح قال:

    اللهم إن هؤلاء يغدون ويروحون، ولكل حاجة، وإن حاجة عامر أن تغفر له.

    فتأملت كيف أن الناس تخرج كل صباح بحاجات كثيرة؛ هذا يطلب رزقاً، وذاك يطلب موعداً، وآخر يطلب تجارة أو دراسة أو منصباً. وأعظم الحاجات كلها أن يخرج العبد من بيته وقلبه يقول: يا رب، حاجتي أن تغفر لي.

  • ركبت المواصلات، فتأملت في وجوه الناس، فوجدتهم متشابهين ومختلفين. منهم من يعمل على جهازه المحمول خشية اجتماع وشيك، يجتهد بكل ما أوتي من قوة ليجود العرض الذي بين يديه، حتى لا يقف نادماً ولا مخزياً أمام مديره. فتذكرت ربي وربه ورب المدير. هل نستحضر هذا الخوف وهذا الإعداد في كل ثانية لموقفنا أمامه عز وجل؟ وهل نخشى أن نقف بين يديه بلا زاد، كما نخشى أن نقف أمام بشر مثلنا بلا ورقة مرتبة ولا كلام محكم؟

  • ورأيت امرأة قد تزينت وتبرجت، وكشفت وأسفرت عما يستر وعما لا يستر. فتأسيت على أن الناس صاروا يرون في هذا التعري حرية، وفي هذا التبرج معياراً للتقدم. وتساءلت: هذا يوم من الأيام، فكم تحمل في حياتها إذا كان هذا عهدها في كل يوم؟ لو خرجت من منزلها بهذا الحال خمس سنوات، خمسة أيام في الأسبوع، فالحساب: 5 × 4 × 12 × 5 = 1200 يوم تقريباً. ولو رآها في كل يوم شابان فقط، ووقع في قلبيهما من مرض الشهوة، أو أثرت في إيمانهما ما أثرت، فكم حملت؟

    أعوذ بالله. هل تفكر كل متبرجة مظهرة لشيء مما أمر الله بستره بهذا؟ شيء مرعب حقاً. اللهم استرنا وأهلينا، ولا تفتنا حتى نلقاك يا رب العالمين.

  • ومن الناس النائم، يسترق الغفوة في هذه الطريق القصيرة؛ لأنه لم ينم باكراً في الأمس، أو ربما لأنه يعمل في وظيفتين ولا يسعفه الوقت لينام أصلاً. فما يلبث أن ينتهي من الأولى حتى يركض نحو الثانية، ليؤمن لنفسه رزقه ولأهله. ولا تسأل هذا المسكين عن علاقته بأهله وأولاده.

    هذا هو الهرس الذي يعانيه الناس في الدولة الحديثة. هذه بعض السوءات التي جلبتها لنا. يتحدث الناس كثيراً عما جلبته التقنية والتطور والدول الحديثة من أشياء إيجابية، ويغفلون عن المتاعب التي حملتها للإنسان، وعن الضغوط التي ابتلي بها هذا الإنسان، وجعلته عبداً لمعايير وضعتها العولمة، وأجيراً زهيداً، وصاحب حياة لا تتسع إلا للدنيا.

    وظيفة تسرق وقته وصحته وعمره، ولا يبقى له من ذلك شيء، ثم تسمه بالمواطن. لا يتحدث أحد عن مقدار الطحن الذي يعانيه الإنسان المعاصر، لا سيما في دولنا العربية. لا يتحدثون عن سوءات النموذج الذي طور شكل حياة الإنسان، وسفل القيم التي كان يعيش لأجلها. فبدل أن يهب حياته ووقته لغايات وقيم سامية، ويمارس حياته بروح، صار مجرد آلة مهمومة بتحصيل رزقه وأكله.

  • ورأيت شخصاً يجلس على أحد الكراسي، أقدر عمره في الخمسينات، ممسكاً هاتفاً قديماً بيده، وقد شبك الهاتف بسماعات ذات سلك. بدا لي أنه يقلب في الراديو. شعرت بأنه قادم من عام 2010، وكأنه عابر للزمن.

    فقلت: ماذا لو كان فعلاً هذا الشخص عابراً للزمن؟ تخيل ما الذي سأحدثه عنه من الأحداث من ذلك الوقت حتى يومنا هذا؟ الثورات؟ الثورات المضادة؟ موجة الاكتئاب والإلحاد؟ اليأس وفقدان الأمل؟ حروب غزة: حجارة السجيل، والعصف المأكول، وسيف القدس، والطوفان؟ أو أحدثه عن تحرير سوريا؟

    لا شك عندي أنه لن يصدق الأخيرة، بل ولا التي قبلها. فكيف يعقل هذا الإنسان القادم من 2010 أن هناك من كسر صورة الدولة التي لا تهزم، وأقوى جيش في المنطقة، وكل تلك الخرافات التي ظل الناس يرددونها؟

    فالعبرة أننا لو حكمنا بعقولنا القاصرة على الواقع، ورسمنا وتوقعنا، فلن نتوقع أقدار الله. والله يهيئ الأرض لتكون العاقبة فيها للمتقين. كيف؟ هو الذي يسير الأقدار. أما نحن فغالباً ما نبقى أسرى للحظة الراهنة، وننسى امتداد التاريخ، وننسى وعد الله. والله لا يغفل، ولكنه يمهل، ويؤخر لأجل معلوم عنده.

    فلا تيأس من الواقع، واغرس بذورك مهما رأيت الواقع صعباً. فعلى الله إنزال المطر وقتما شاء، لتنمو بذورك، ويكتب لها الإثمار.

  • وتأملت في المترو، وكأنه الدنيا، وخط المترو السائر كأنه خط الزمن. يمضي المترو ويتغير المشهد معه، وفي كل محطة ينزل جزء من الناس ويرحلون عنا. وكلنا سننزل في وقت ما منه، وكلنا على يقين أن موعد النزول قادم.

    وهذا اليقين الذي لا شك فيه تراه واضحاً في الراكب؛ فهو متنبه: هل وصل إلى محطته أم لا؟ حتى لا تفوته. ولا يؤمل البقاء في المترو إلى النهاية، بل يرجو النزول مباشرة؛ لأن هذا المكان مؤقت، وليس مريحاً، وليس مستقراً، وفيه ما فيه من صوارف تمنع طلب المكوث. ولأن حاجته الحقيقية خارج هذه المقطورات.

    هذا واضح في مثل المترو، ولكنه ليس واضحاً كثيراً في الدنيا. فالناس مع طول الطريق ينسون الغاية التي بعد الرحلة، ويستلذون بمتع العبور، وقد يعلقون بها. فما يلبث أن يأتي موعد رحيلهم، ولم يتجهزوا لما بعدها.

  • هل وقفت يوماً أمام محطة مترو في وسط المدينة حوالي الساعة التاسعة إلا عشر دقائق؟ أزعم أنك سترى عجباً، لا سيما في المدن الكبرى. يخطر في بالي أن الشخص الذي أراه هنا لربما لن يجمعني معه مكان إلا في يوم القيامة حين الحشر. وهي كناية عن صغر حجمي أمام المليارات التي تعيش في هذا الكوكب. منظر مهيب، والناس يغدون ويروحون كما قال حبيبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». رواه مسلم.

    يقول القرطبي: ومعنى ذلك أن كل إنسان يصبح ساعياً في أموره، متصرفاً في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها؛ أي أهلكها. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. ومنه قول ابن مسعود: الناس غاديان، فبائع نفسه فموبقها، أو مفاديها فمعتقها.

لن أطيل أكثر. فقط أحببت أن أريكم نموذجاً عملياً للآيات التي لا بد أن نستذكرها في موقف نعيشه، لتبقى قلوبنا حية، متصلة بالسماء، متصلة بما خلقت لأجله. ولا بد أن أشير إلى أن ذلك الاستشعار، وهذه الحياة، وهب من الله، نحتاج أن نزكي أنفسنا وأن نقدم الكثير من القربات حتى يهبنا الله شيئاً منها. ولا حرمنا الله صحبة أصحاب القلوب الحية، فبهم نحيا، ونجدد ما يخلق من إيماننا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة كتاب "طليعة الاستهداء بالقرآن" للشيخ بدر آل مرعي

مراجعة كتاب سبيل المصلحات - الشيخ أحمد السيد حفظه الله

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة – آلان دو بوتون

كيف ربانا أحمد؟

ليل الأسرى بين الغفلة والنسيان

العزلة وهوس الإنجاز

طالب العلم في زمن الابتلاء

بين أحزاب اليوم وأحزاب الأمس

أين الوجهة؟