لا تقلقوا على الأقصى المهم ألا تنزعج القطط!

- الأقصى في خطر!!
= ولكن القطط أيضاً في خطر!

صورة المقال

بينما كنت أتصفح الفيسبوك صباح هذا اليوم، رأيت منشورًا لإحدى بلديات بلادنا المحتلة. كان المنشور طويلًا يتكوّن من عدة فقرات، وعنوانه الرئيسي: تشكيل لجنة للرفق بالحيوان في بلدة كذا وكذا.

ولم يكن الأمر مجرد إعلان عابر. كانت هناك صور مرفقة مع المنشور؛ رجال ببدلات رسمية وياقات أنيقة يجلسون حول الطاولات ويتناقشون بجدية شديدة. وإذا رأيت الصور شعرت أن القوم مجتمعون ليناقشوا أزمة دولية، أو كارثة تهدد مصير الأمة، أو خطرًا يطرق أبواب البلاد. كل شيء يوحي بأننا أمام قضية مركزية تستحق هذا الاستنفار وهذا النقاش وهذه الرسمية المبالغ فيها.

استغربت فعلًا. ثم استغربت أكثر حين رأيت عدد الحاضرين. كل هؤلاء اجتمعوا من أجل هذا؟

نزلت إلى التعليقات فإذا بها كثيرة جدًا، والكل ينادي ويدعو ويكتب الموشحات. المنشور لربما يمتد إلى نصف متر، والتعليقات لربما تمتد إلى عشرات الأمتار، وكلها تتحدث عن الرفق بالحيوان، وعن أنه لا بد أن نكون أكثر حضارة، وأنه وأنه وأنه.. وأن واحدة من أكبر المشاكل التي نعاني منها في البلاد الفلسطينية هي الرفق بالحيوان!

وقفت مذهولًا وقلت في نفسي: سيأتي في كتب التاريخ — وأظن أن هذا سيُكتب يومًا — ما نصّه:

"وفي تلك الحقبة المظلمة من تاريخ الأمة، كان أهل البلاد المحتلة قد انشغلوا بتشكيل لجان الرفق بالحيوان وعقدوا لها الاجتماعات وأقاموا لها الدورات وأطالوا في التعليقات. وذلك في حين كان الاحتلال يداهم أراضيهم ويعتدي على أبنائهم، وكان المستوطنون يطرقون أبواب بيوتهم بالسلاح والنار. وكان المسجد الأقصى يواجه في تلك الأيام عدوانًا استثنائيًا لم يشهد مثله من قبل، وكان الأسرى يتعفنون في السجون. غير أن القوم كانوا قد وجدوا في قضية الرفق بالحيوان ما يكفيهم ويشغلهم فأعرضوا عن كل ذلك وانصرفوا."

هل أقصد أننا لا بد ألّا نهتم بالحيوان وألا نرفق به؟ أعوذ بالله أن أقول هذا فيهجم عليّ خمسة ملايين شخص من دعاة حقوق الحيوان! ويتهمونني بأنني عدو للقطط والكلاب والعصافير!!!

أنا لا أقول ذلك أصلًا!!

أنا مع الرفق بالحيوان. ولا أريد من أحد أن تشكل لجنة لرفع عشرة قضايا ضدي. لكني أقول شيئًا واحدًا فقط: نحن بحاجة إلى إعادة ضبط أولوياتنا. بحاجة إلى ما يسمونه: مركزة المركزيات.

بالأمس كنت أستمع إلى أحد الأشخاص وهو يروي ما جرى معه ومع أصحابه في إحدى الأراضي. ذهبوا إلى أرضهم فهاجمهم المستوطنون بالسلاح والعتاد واعتدوا عليهم ونكلوا بهم ثم انصرفوا ببساطة وكأن شيئًا لم يكن.

انتهت الحادثة!

لا حملات إلكترونية واسعة، لا نقاشات حقيقية، لا استنفار، لا شعور بأن الخطر صار على أبواب البيوت فعلًا. وكأن هذا كله أصبح أمرًا اعتياديًا لا يستحق الالتفات. غير مهم! سنعقد الاجتماعات الطويلة في البلديات من أجل حقوق الحيوان وتغير المناخ وبعض القضايا التي يريد الممول دائمًا أن تبقى في الواجهة.

في المقابل انظر إلى الاحتلال. المسجد الأقصى يتعرض لعدوان استثنائي. الاحتلال ماضٍ في مخططاته، وماضٍ في التهويد، وماضٍ في فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى دون توقف.

كل حدث يستغله. كل مناسبة يحاول أن يمرر من خلالها خطوة جديدة. مرة يوسع أوقات الاقتحام. ومرة يثبت وجودًا جديدًا. ومرة يزيد أعداد المقتحمين ومرة يختبر ردود الفعل. وضوح كامل في الأهداف. ترتيب دقيق للأولويات. تركيز على المركزيات التي تخدم مشروعه.

أما نحن فتعال وانظر إلى حال الناس في هذا البلد المحتل الذي يذوق أهله الأمرّين بسبب الاحتلال.. ما القضايا التي تشغل الناس فعلًا؟

قضايا كثيرة متفرقة متشعبة يجمعها شيء واحد فقط: أنها ليست القضايا التي ينبغي أن تستحوذ على هذا الكم من الوقت والطاقة.

وأنا لا أتكلم هنا عن قضية واحدة بعينها. المثال الذي ذكرته مجرد نموذج لطريقة تفكير كاملة -وقصة المنشور حقيقية 100%- نموذج لحالة التشتت التي تجعل الناس مستعدين لكتابة المنشورات الطويلة وعقد الدورات والاجتماعات والندوات والانفعال الشديد في قضايا هامشية، بينما القضايا الكبرى تُترك في الخلفية حتى تكاد تختفي من الوعي العام.

ولهذا نحن بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة معيارية عند الناس. بحاجة إلى إعادة تعريف ما الذي يستحق أن يكون في مركز الاهتمام وما الذي يبقى في الهامش الطبيعي دون تضخيم.

بحاجة إلى أن نتفق على الأصول الكبرى التي تُبنى عليها اهتماماتنا وأولوياتنا حتى لا يتحول وعينا إلى ساحة مبعثرة تُسحب في كل اتجاه، ويضيع الناس بين عشرات القضايا التي لا تصنع مشروعًا ولا تدفع خطرًا ولا تحمي أمة.

ومن أهم الكتب التي يمكن أن تعيد بناء هذه المصفوفة في ذهن الإنسان كتاب المنهاج من ميراث النبوة للشيخ أحمد السيد. هذا الكتاب يعيد ترتيب الأولويات داخل العقل. يعيد تعريف المركزيات. يضع الإنسان أمام الأسئلة الحقيقية: ما الذي ينبغي أن يشغلني؟ وما القضية التي تستحق أن أستهلك فيها عمري وجهدي ووعيي؟

ولذلك فهذه دعوة صريحة إلى أن تُقام مجالس مدارسة ونقاش وتثوير حول هذه المعاني وحول مثل هذه الكتب التي تعيد بناء منظومات التفكير وتنتشل الإنسان من هذا التشتت الذي نعيشه اليوم.

لأن أمتنا لا ينقصها الكلام بقدر ما ينقصها وضوح البوصلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة كتاب "طليعة الاستهداء بالقرآن" للشيخ بدر آل مرعي

مراجعة كتاب سبيل المصلحات - الشيخ أحمد السيد حفظه الله

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة – آلان دو بوتون

كيف ربانا أحمد؟

ليل الأسرى بين الغفلة والنسيان

العزلة وهوس الإنجاز

طالب العلم في زمن الابتلاء

أين الوجهة؟

بين أحزاب اليوم وأحزاب الأمس