بين الاجتماع والافتراق = الصلة التي لا تنقطع
ولا أعلم أيهما يكون أولًا: الاجتماع أو الافتراق؟ فالإنسان يخرج من بطن أمه وحيدًا، ولكنه لا يعي شيئًا في الوجود حتى يجد الأهل مجتمعين من حوله، على أنني موقن أن نهاية المشهد هي الفراق: فراق الأهل والأحباب، وفراق الخصوم والأعداء، وفراق كل ما يتصل بالدنيا. قال الله تعالى: (وظن أنه الفراق)، أي: أيقن بفراق الحياة. بل حتى الجامدات تشعر بفراق هذا الإنسان فتحزن عليه إن كان مؤمنًا، وتسعد بفراقه إن كان فاجرًا. ففي سورة الدخان عن قوم فرعون قال الله سبحانه وتعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان: 29]. جاء عند الطبري عن ابن عباس:
إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينـزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأُغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينـزل منه رزقه، بكى عليه، وإذا فقده مُصَلّاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض.
وفي البخاري من حديث الحارث بن ربعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه بجنازة، فقال:
مستريح ومستراح منه.
قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال:
العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب.
فهذه هي الدنيا، ليست إلا كظهيرة يوم اجتمعت فيها بصديق ثم تفرقتما. ومن لا يعي ذلك سيشقى بالدنيا لكثرة الفراق، ومن الناس من عاش طويلًا، وغامر، ورحل، وارتحل حتى ألف هذه الطبيعة، فلا يكاد مشهد اللقاء والوداع يؤثر فيه.
وخير الأصحاب هو من تعيش معهم لحظات جميلة مليئة بالروح، ويبقى أثرها بعد الفراق، ثم يبقى لك منه شيء من الود والمودة مهما تباعدت المسافات، ولو جمعتكم الأيام سويًا كنتم كما كنتم، وهذا من معاني الوفاء العزيزة بين الناس. ويُنقل عن الإمام الشافعي قوله:
الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة.
نعود إلى ما كنت أريد أن ألمح إليه بذكري تلك المكالمة، وليعذرني القارئ الكريم على كثرة الاستطراد، وليعلم أني أمسكت نفسي عن الاسترسال فيما بدأته؛ فحين وصلت للوفاء حدثتني النفس الأمارة بالسوء أن أكمل الحديث عن تناسب الناس فيما بينهم في العلاقات، وكيف أنهم مثل التروس الميكانيكية التي تعلمنا رسمها وحسابها وماهيتها في كلية الهندسة، فليس كل ترس يناسب الآخر، بل لا بد أن تجتمع فيهما صفات مشتركة ومتضادة، فيناسب السن البارز من الأول أن يقع موقع السن الغائر من الآخر، وإن اختلفت أحجامهما وأقطارهما، وإن اختلفت مواطنهما، فكذلك نفوس ابن آدم وتناسبها واختلافها؛ فقد يصاحب كثيرُ العلم قليلَ العلم لتناسب نفوسهم، وقد يتخالف الجهلاء على رغم اتفاق ما في عقولهم، ولكني لن أدخل في هذا الموضوع وخيوطه الطويلة، ردًا لما ألقته نفسي في العروج عليه ونسيان تلك المكالمة وحديثها الذي يُفترض أن يكون فكرة هذا المقال.
وليعذرني القارئ الكريم الأريب للمرة الثانية، ولكني أذكره أن هذا المقال ليس مقالًا علميًّا ولا درسًا منمقًا حتى نسير فيه سيرًا محددًا، بل هو عفو خاطر أكتبه، ولا أرى ضرورة أن أجد من يقرؤه؛ لأنه سيجد لنفسه مكانًا فيمن سينفعه. وقصارى ما يمكن أن أعدَّه وإخوانَه من مقالات العبد الفقير لا تعدو أن تكون ترفًا فكريًّا، أو حواشي وخواطر على أفياء أفكار كبرى تجدونها في مظانها، لا هنا طبعًا.
كانت مكالمة طويلة شرقنا فيها وغربنا، وحدثني عن جديده وأخباره، وما بدا له في الحياة، وكيف تغير عليه ناس، وكيف تغيرت علاقاته مع آخرين، وما هي إنجازاته وجديده. ثم في نهاية المكالمة عنَّ في بالي أن أسأله سؤالًا عن شيء لطالما كنت أتعاهده فيه، ألا وهو الصلاة، فسألته: بالله طمِّني، كيف حالك مع الصلاة؟ فأخبرني أنه، بحمد الله، أتم فترة طويلة من الزمن لا يقطع فيها فريضة، فسررت بهذه البشارة أيما سرور، واستصغرت كل الإنجازات التي حدثني عنها قبل ذلك، وأكبرته في نفسي، وأكبرت صنيعه.
وهذا مقام كبير لا بد أن نتعاهد به الناس من حولنا: زملاء العمل، زملاء الدراسة، أشخاص عابرين، أقارب، أي أحد من الناس. وجزء من نظرتي إلى هذا المقام وأهمية الدعوة إليه نابع من مركزيته في الشريعة، ولا شك، ولظني أنه البوابة التي متى ما أفلح فيها العبد فُتحت له كل أبواب الخير، ومتى ما فرط فيها حُرم من أبواب الخير، وجُعل للشيطان عليه سبيلًا وبابًا مفتوحًا.
الصلاة، وما أدراكم ما الصلاة! أليس يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)؟ فلا شيء يسعده ويدخل عليه السرور بمثل ما تدخل عليه الصلاة.
نحتاج إلى إعادة هذه الشعيرة العظيمة لتكون مركزية في خطابنا الدعوي، وحال الناس اليوم مؤلم مع هذه الشعيرة؛ فالناس ما بين مؤدٍّ، وما بين مفرط، وما بين مؤدٍّ ظاهرًا مع غياب الروح، وهذا من بلاوي عصرنا في كثير من الشرائع التي نقيمها صورة وتغيب عنها روحها. فالقرآن معتنى به، ولكن ظاهرًا دون الولوج إلى بواطن هذا الكتاب والاستهداء والتدبر فيه.
وكذلك الحال مع الصلاة، فكم من مصلٍّ لا تنهاه الصلاة عن الفحشاء والمنكر؛ لأنه يقيمها بجوارحه، ويسبح قلبه بعيدًا خلال ذلك.
وكم كنت أقف مشدوهًا أمام كلام الله عز وجل في سورة النساء وهو يعلم المجاهدين على خطوط النار كيف يقيمون الصلاة، في ذلك كله ينزل الله قرآنًا حتى يعلمهم، ولم يسقطها عنهم، ولم يسقطها لا عن مريض ولا مسافر، ولا بأي عذر من الأعذار. فبالله عليك يا أخي، هل نحن نتعامل مع الصلاة في حياتنا اليوم ونحن نستحضر ما أعطته الشريعة لها من أولوية ومركزية؟
هل نستشعر ونحن نقف بين يدي ربنا أن هذه الصلاة هي آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، فيقول: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم؟ هل نستشعر أن هذه العبادة الجليلة لم تنزل من السماء لتُفرض، بل صعد بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليتلقى هذا التشريع؟ أتذكر كلام الشيخ إبراهيم السكران وهو يقول، معيبًا على بعض الخطابات:
وشرع الله أحكام الشريعة كلها على الأرض إلا الصلاة، فقد عرج بالنبي ﷺ إلى السماء لكي يتلقى تشريعها من الله مباشرة، فكيف بالله عليكم يقدم البعض خطابًا يسميه (خطابًا حضاريًّا وإصلاحيًّا ونهضويًّا إلخ) وتكون الصلاة فيه أشبه بالشأن الشخصي!
هل تأملنا في الصلاة كونها صلتنا مع الله سبحانه وتعالى؟ هب أن لك أصدقاء وأصحابًا تحدثهم أحيانًا وتنساهم أحيانًا، فإذا سألتك عن صلتك بالصديق الذي أحسن ويحسن إليك طوال علاقتك به، ثم تخبرني بخجل أن الدنيا قد شغلتك عنه، وأخذت نصيبًا من هذه الصلة، فلم تعد تراسله، ولا تزوره، ولا تأتي بيته! لعمري، هذا شائن في حق المخلوق، فما بالك وهو يصدر منا في حق الخالق؟ أنقصِّر في وصل الحبل الأساسي الذي يربطنا بالله سبحانه وتعالى؟ ألا ينبغي أن يذوب واحدنا خجلًا من الله سبحانه وتعالى إذ تشغله الدنيا عن صلاته، وإذ تشغلنا الدنيا وهمومها التي لا تنتهي ونحن في الصلاة؟
وظني أن كثيرًا من الناس ليس عنده مشكلة معرفية في مقدار المعلومات التي يعرفها عن الصلاة وقيمتها، بل في القيمة الحقيقية لهذه العبادة في قلبه. فأولى ما نحتاجه في إحيائها في نفوسنا، ومع من هم حولنا، هو إحياء مشاعر الصلاة. ويمكن أن نوجه إلى بعض المواد النافعة في هذا المقام، لعل من يقرأ هذه المقالة يخرج بشيء عملي يعزم عليه لينمي هذا الباب. أول ما أوجه إليه كتاب تعظيم قدر الصلاة للمروزي. يقول الشيخ إبراهيم السكران في نفس المقال آنف الذكر:
ومن قرأ كتاب إمام أهل السنة في زمانه محمد بن نصر المروزي المسمى (تعظيم قدر الصلاة)، فوالله إن كان في قلبه ذرة صدق في البحث عن مراد الله ورسوله، فإنه لا يمكن أبدًا إلا أن تتأثر رؤيته للإصلاح والنهضة كليًّا.
وبالمناسبة فهذا الكتاب من أعظم الكتب في بيان إشكالية الإرجاء الفقهي، وقد كان الشيخ العلامة عبد الله السعد يعظم شأن هذا الكتاب جداً، وقد رأيت من حسن صلاة الشيخ عبد الله شيئاً كان يهزني هزاً، فوالله إن تنقله قبل بداية الدرس (حين كنت أحضر شرحه لسنن الترمذي قبل عشر سنوات) وما فيه من حسن القيام والركوع، وإجاباته حين الهوي إلى السجود، شيئاً يجعلني أوقن أن الرجل يعيش مع الصلاة عالماً آخر، وهذه العبودية أرزاق من الله -جل وعلا- نسأل الله من فضله.
كذلك من المواد النافعة مواد الشيخ خالد الجابر، فكلامه عن الصلاة وعن أثرها على الصحة النفسية كلام مؤثر. وكذلك من المواد النافعة كتابات الشيخ إبراهيم السكران وتدبره في معاني الصلاة، ومن ذلك مقال صفاء الأنبجانية.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من مقيمي الصلاة ومن ذرياتنا، وأن يتقبل منا.
بناء القوة النفسية | د. خالد بن حمد الجابر | بودكسات بدون ورق
أمسية كيف نستفيد نفسياً من الصلاة | د. خالد بن حمد الجابر
إبراهيم السكران | الوصية الأخيرة (الصلاة)
اشتقنا لهذه المقالات اللذيذة والنَفَس الطنطاوي في البوح والاستطراد :) مقال جميل جدًا ونافع بارك الله فيكم ونفع بكم
ردحذف