الزيتون في بلادي

لو سألتني عن أجمل مواسم السنة عندي، لقلت، بدون تردد ولا تلكؤ: موسم الزيتون؛ بعيدًا عن الاستعمالات التي تثير الاشمئزاز في كثير من الأحيان، بجعل الزيتون رمزًا للفلكلور الفلسطيني وجماعة "هز الكتف بحنية" ومن شاكلهم. بعيدًا عن هذا كله، فإن ارتباطي كمسلم يعيش على الأرض المقدسة التي باركها الله سبحانه وتعالى أسمى من ذلك كله.

العلاقة مع الزيتون ليست تقليدًا ورثته عن والدي بل هي اتصال حي بين مخلوق خُلق من تراب وجُبل على ما فيه من الطباع، مع مخلوق آخر غُرس في التراب وأثمر فيه. هي علاقة أقرب إلى اتصال الإنسان بذاته الأولى، مع الفطرة السليمة التي فُطرت عليها الكائنات. فالشجرة مخلوق حي مثل الإنسان فيه الأنواع المختلفة التي تتطلب أشكالًا مختلفة من العناية؛ فمنها من يحتاج إلى الضوء ومنها من لا يحتاج، ومنها من يحتاج إلى الماء كثيرًا ومنها من لا يعبأ به، ومنها قليل الظهور على الأرض كثير الخبايا تحتها، ومنها ما يخرج الثمر الطيب الحلو، ومنها ما يخرج الثمر الطيب الحامض، ومنها الخبيث السام، ومنها ما هو دواء وشفاء. ومنها ومنها الكثير من الأشكال، مثل البشر مختلفون جدًا ولا يتطابقون أبدًا، وإن كانوا جميعًا لديهم عينان ولسان وشفتان ورجلان ويدان ورأس واحد، كما أن لكل الأشجار أوراقًا وأغصانًا وجذوعًا.

وهذا المعنى له أصل رباني جليل؛ إذ شبّه الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالزرع، فجمع في هذا التشبيه بين النمو والتكاثر والتناصر والاشتداد والجمال والنفع.  يقول الإمام السعدي قي قوله تعالى:(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا):

«أنهم في كمالهم وتعاونهم: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ}، أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء. {فَاسْتَغْلَظَ} ذلك الزرع، أي: قوي وغلظ. {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}، جمع ساق. {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله. كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ. ولهذا قال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال».

وحتى في مقامات التربية نحتاج إلى استحضار هذه التوأمة بيننا وبين الزرع؛ فالطلاب ليسوا بذرة واحدة، بل بذورًا مختلفة، مختلفة في حاجاتها وفي عطائها. ويا لحسرة الأنظمة التعليمية الحديثة التي تقولب العقول وتنظر للجميع من عدسة واحدة ضيقة، وتنسى الاختلافات الطبعية فيما بينهم، فيضيع حق البذرة التي تنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، والتي تحتاج بعض الأساليب المختلفة. وفي المقابل، يا هناء المزارع الماهر، أقصد المربي الماهر، الذي يجيد التعامل مع الطلاب بحسب اختلافهم، لا بحسب ما يهواه.

أعود إلى الزيتون الذي حرّكني الشوق إليه أن أكتب هذا المقال. يُعدّ موسم الزيتون موسمًا اجتماعيًا وحدثًا مشهودًا في فلسطين، وهو حديث المجالس من شهر تشرين الأول إلى كانون الأول؛ تضجّ به المجالس، ويكثر فيه الكلام عن طبيعة الموسم: هل فيه خير كثير، أم إنه أقل من الموسم الذي قبله؟ وللناس في ذلك نظريات ومذاهب؛ فبعضهم يقول: إنه يأتي سنةً حاملًا كثيرًا، ثم تأتي التي بعدها أخفّ حملًا، وبعضهم يقول: بل يأتي كل عدة سنوات موسم يعوّض ما قبله، وهكذا. وبعضهم يُرجع ذلك إلى صلاح الناس وفسادهم، وبعضهم يزكّي زيت فلان أو علّان، ويرى أن أرضه أبرك، أو أن عنايته أشد، أو أن معصرة فلان أفضل، وهكذا تمضي الأحاديث، ويطول فيها الأخذ والرد، حتى كأن للزيتون علمًا قائمًا في صدور الناس، يتوارثونه كما يتوارثون الأرض نفسها.

وموسم الزيتون رحلة ينزل فيها الصغير والكبير، ويعمل فيها كل من في البيت، رجالًا ونساءً. فجزء يصعد على الشجر فيمشّط أغصانها العلوية، معرضًا نفسه لخطر السقوط عنها؛ تلك السقطة التي يضطر بعدها لعمل صورة أشعة يساوي ثمنها ثمنَ تنكة الزيت الجديد -وهذا ما لم يحدث معي :) - ولكن لا يهمه ذلك ما دام مستمتعًا بهذا الموسم، ويأكل من ذلك الزيت الذي جمعه بيديه. وجزء آخر يجدّ الشجرة بعصًا مميزة تم اختيارها وتهذيبها بعناية لتقوم بهذه المهمة؛ والجدّ مأخوذ من الجدادة، وهو مصطلح شعبي يُطلق على عملية جني وقطف ثمار الزيتون من على الأشجار، وتحديدًا عبر ضرب الأغصان بعصًا خشبية. وجزء آخر منهم يفرش المفارش والأحصرة تحت الشجر، ليسقط الثمر الذي ينزل من الجد والتمشيط على المفرش لا على الأرض. وجزء آخر ينقّي الزيتون المجتمع على المفرش من الأغصان والأوراق. وجزء خبير ماهر يقوم باختيار الزيتون الذي يصلح للرصيع -والرصع عملية دقّ أو تشقيق حبات الزيتون- لتُخلّل وتؤكل زيتونًا. وهناك من يقوم على إعداد الفطور أو الغداء، وذاك فصل آخر سأحكيه بعد قليل.

أنا وأخي على شجرة الزيتون
أنا وأخي على شجرة الزيتون – 2019م

وشجر الزيتون متشابه في ظاهره لمن لا يعرفه، إلا أن حقيقته عند أهله وناسه مختلفة جدًا؛ فكل شجرة من نوع يصلح لشيء معين. فمما سمعناه من أمهاتنا وجداتنا أن هناك النبالي، الذي يُعد ذا جودة عالية للزيت ويتحمل الجفاف ولا يحتاج إلى سقي، وهناك الرومي المعمر الذي يسبق الاحتلال، بل ويسبقنا في وجوده، وهناك المزلينو الذي يقال إنه قادم من إسبانيا، ثماره كروية وهو سميك، ويستعمل عادة للتخليل، وهناك الكثير من الأنواع التي لا أعرفها.

وهناك جزء آخر من الناس يتكفل بمهمة الذهاب إلى المعصرة وحجز دور فيها، والقيام على الزيتون حتى يخرج زيتًا لذيذًا مضيئًا كما وصفه القرآن. وما أتعب أيام الزيتون وما أشقها، لا سيما على من اتسعت أراضيهم، ولكن أزعم أن لذة الزيت البكر في يومه الأول، مع ذلك الخبز الذي يخرج من التنور، تُنسي الإنسان كل تعب وكل مشقة.

كما يظهر في الفيديو الأول، تبدأ عملية عصر الزيتون بمرحلة التنظيف والفرز، حيث تُزال الأغصان والأوراق وتُغسل الثمار جيدًا بالماء، لتنتقل بعدها إلى الطحن الذي يحوّل الثمار ونواها إلى عجينة متماسكة. تلي ذلك مرحلة العجن المستمر لجمع قطرات الزيت الصغيرة وتحويلها إلى كتل أكبر، ثم تُفصل هذه السوائل عن الأجزاء الصلبة (الجفت، ويُستعمل للتدفئة وإشعال النار في البيوت) باستخدام الطرد المركزي أو الكبس. وفي الختام، يُفصل الزيت عن الماء المتبقي بناءً على اختلاف الكثافة، لينتج زيت نقي جاهز للاستخدام يكاد يضيء، كما يظهر في الفيديو الثاني.
موقدة النار
موقدة النار
فطور أهل الزيتون
فطور أهل الزيتون يظهر فيه الزيت الجديد

وأيام الزيتون أيام حافلة بالفعاليات؛ فهناك فعالية الفطور الذي يكون في أول اليوم، والذي قد يكون شيئًا من القلايات اللذيذة على موقدة الحطب، أما الغداء فتتزعم فقراته المقلوبة الأصيلة على موقدة الحطب أيضًا.

مقلوبة فلسطينية في موسم الزيتون
مقلوبة فلسطينية في موسم الزيتون

وللناس في قطف الزيتون مذاهب؛ فمنهم من يحب الجدّ -الضرب بالعصا- ومنهم من يكره ذلك أشد الكره، ويعامل تلك الزيتونة برقة ونعومة، ويخشى عليها من ذلك الضرب العنيف، وإن كان في سبيل بعض الحبات البعيدات التي يلامسن الشمس ولا يرغبن بالنزول. ومن الناس من يمسك المنشار ويبدأ في نشر الأغصان، وأصحاب المنشار لهم مذاهب مختلفة أيضًا؛ فمنهم من ينشر كل غصن ليريح نفسه من عناء التسلق، وينزل الغصن إليه بدل أن يصعد هو، ومنهم من يُجيد النشر بحكمة، فيفتح المجال للشجرة لتتنفس ويزيل التشابك بين أغصانها، وبين الأول والثاني فرق كبير. وبعض الناس يحرّمون القص مطلقًا، ويتألمون على تلك الشجرة وعلى أطرافها، ولا يحبون أن يلمسوها بشيء. والشاهد أن نشر الأغصان عملية صعبة، غالبًا لا نقوم بها -نحن الأقل خبرة في الزيتون- إلا بعد استشارة طويلة، والاستشارة هنا لا بد أن تكون لخبير -أو خبراء- عارف بالشجرة ونوعها وعمرها. وربما استشرت أحدهم، فسرح هنيهة وراح يدور حول الشجر وينظر ويجيء ويذهب، ثم يعود إليك بالقرار، فيقول لك: إن الشمس من هناك، والغصن من هنا، والجذع كذا، فافعل كذا.

شجرة زيتون في طليطلة
صورة لشجرة زيتون في طليطلة في إسبانيا من رحلتي الأخيرة

كل هذا لربما يعيشه أي إنسان يقطف الزيتون في إسبانيا أو إيطاليا أو اليونان، ولكنني أزعم أنهم لا يعيشون شيئًا من البركة التي يعيشها من يتصل بالأرض المباركة. أتظنون ألّا يكون للبركة انعكاس على تلك الثمار؟

لكم أن تعرفوا أن الله بعث كثيرًا من الأنبياء في هذه الأرض، وأن البركة التي وُصفت بها  تسمية ربانية، فقال سبحانه عن أرض الشام: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}، وقال عن المسجد الأقصى: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}. وقال المفسرون إن الله سماها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء (الجامع لأحكام القرآن 11/305). والبركة هنا ليست مقصورة على الخصب وحده، وإن كان الخصب من أوضح مظاهرها، لكن اجتمع مع ذلك شرف المقام، وآثار النبوات، ومجاري الوحي، ومواطن العبادة والجهاد والرباط. فلك أن تتصور أن هذه الأرض التي سار عليها الأنبياء، وولدوا وعاشوا وبلغوا رسالات ربهم وجاهدوا في الله حق جهاده، ومنهم من قُتل وأُهريق دمه على هذه الأرض الشريفة، فإذا كانت التربة قد اختلطت بآثار أولئك الأخيار، وكان هواؤها قد مرّت فيه أنفاسهم، وكانت جبالها وأوديتها قد شهدت دعواتهم ودموعهم وجهادهم، فما ظنك بشجرة خرجت من هذه الأرض، وسُقيت من مائها، وربت تحت شمسها؟ إن الشجرة هنا تصير -في حسّ المؤمن- شيئًا يصله بتاريخ الرسالات منذ آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم.

ومركز بركة هذه الأرض هو ذلك البيت المقدس الذي وضعه الله ثاني بيت في الأرض، كما جاء في الخبر، وجعل البركة من حوله، لا فيه وحده؛ وهذه لفتة بديعة، كأن البركة فائضة منه على ما جاوره وأحاط به، ممتدة في دوائر القرب منه. ولذلك يقول بعض العلماء إن البركة من حوله تتناسب زيادةً ونقصانًا بمقدار القرب والبعد عن هذا المركز الذي ينبض بالبركة، حتى يكون من كان بالشام أقرب إليه أكثر بركة، ومن كان في أبعد نقاطها أقل، حتى تتلاشى بانتهاء بلاد الشام المحددة في كتب الجغرافيا، لا المحددة بحدود سايكس بيكو المختلقة. وهي التي عرفها ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنها من الفرات إلى العريش، وعرضها من جبال طيئ -وهما أجا وسلمى في الجزيرة العربية- إلى بحر الروم (البحر المتوسط). ومن هنا أفهم -أو أكاد أفهم- سرّ ذلك المعنى الذي ينعقد في القلب تجاه شجرة زيتون في هذه البلاد؛ فكيف لا يكون لها في النفس وقع آخر، وكيف لا يكون لزيتها وطعمها ورائحتها وتعب قطفها معنى زائد على كل ما يعرفه الناس من منافع الزيتون؟

هذا اللقطة التقطتها بعدسة هاتفي وأنا مستلقٍ تحت شجرة زيتون في المسجد الأقصى

والله لا أعلم ما الذي جرّني للكتابة عن هذا كله، إلا أنني كلما رأيت شجرة زيتون في أي بلاد من البلاد خفق قلبي شوقًا إلى شجر أرض جدتي الحبيبة جميلة -رحمها الله- وهي أرض صغيرة فيها بضع شجرات، نعيش فيها موسم الزيتون. وهوّن الله الغربة التي فرقتني عن تلك المواسم الجميلة، وأعاد الله بلادنا إلينا وأعادنا إلى بلادنا.

وسأتوقف هنا، لأن وقت الدوام أزف، ولا بد أن أخرج.

تعليقات

  1. أبدعتم في وصف هذه التجربة المتكاملة الجميلة، وكيف لا تُحَب هذه الشجرة المباركة وقد قال فيها ابن عاشور: "ووصف الزيتونة بالمباركة لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلاً وبزيتها كذلك ويستنار بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة . وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن فيه المادة الدهنية قال تعالى : { تنبت بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] ، وينتفع بجودة هواء غاباتها"

    ردّكم الله لهذه الأرض الطيّبة المباركة فاتحين مكبّرين محررين للبشر والشجر والحجر. 🤲🏻

    ردحذف
    الردود
    1. اللهم آمين آمين، شكر الله لكم مروركم ورضي عنكم وبارك فيكم

      حذف
  2. بارك الله فيكم لقد هيجتم فينا الشوق إلى هذه البلاد و أحييتم فينا معاني البركة في هذا الموسم الذي أزعم أن كثير ممن يعيش هذا الموسم لا زال ينظر إليه و كأنه تعب و يريد أن ينتهي منه بأسرع وقت و أخشى أن الكثير لا يدرك قيمة هذه النعمة حتى يفقدها
    ردكم الله إلى أرض البركة عزيزين فاتحين و جمعنا الله و إياكم فيها و في الجنة

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة كتاب "طليعة الاستهداء بالقرآن" للشيخ بدر آل مرعي

مراجعة كتاب سبيل المصلحات - الشيخ أحمد السيد حفظه الله

مراجعة كتاب قلق السعي إلى المكانة – آلان دو بوتون

كيف ربانا أحمد؟

ليل الأسرى بين الغفلة والنسيان

العزلة وهوس الإنجاز

طالب العلم في زمن الابتلاء

أين الوجهة؟

بين أحزاب اليوم وأحزاب الأمس