الشكر في زمن الاستعراض
طبيعةُ الحياة المعاصرة تجعل الإنسان يركّز على ما لا يملكه أكثر من تركيزه على ما يملكه، ويتجلّى ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي التي أحبّ أن أسمّيها "المواقع الاستعراضية"، مثل سناب شات وإنستغرام. فالمحتوى المعتاد عند كثير من الناس فيها هو استعراض ما يملكونه ماديًّا ومعنويًّا: فللمقتنيات (ستوريات)، وللتخرّج منشور، وللخطبة والزواج (ريل)، وللوظيفة الجديدة والترقية (هايلايت)، وهلمّ جر من كل نعمة ظاهرة وباطنة يحتاج (البلوجر) إلى أن يباهي بها متابعيه.
وينعكس هذا النمط من الحياة على من يعيشه، أولًا بانعدام الخصوصية، ثم بانتقال المشاعر من عوالم الاستحضار والتفكّر والتأمّل إلى زحمة المواقع والشاشات وسباق الأرقام. فبدل أن يستشعر العبد نعم الله عليه فيما يهبه ويرزقه فيشكر ربه، ينقلب حاله إلى سباق مستعر يريد أن يثبت فيه نفسه بين أقرانه وأصدقائه، بل دعني أقول: بين معارف عابرين ربما، لا يجمعه بهم إلا أنه يتابعهم ويتابعونه.
وفي المقابل يعاني المتابع حين يشاهد هذه المشاهد، فيتذكّر حسرته على تلك الوظيفة التي لم ينلها، وعلى تلك الرحلة التي لم تتيسّر له، وعلى ذلك الشريك الحنون الذي لم يرزقه الله إياه. وقد كان الناس في زمنٍ أفَل أكثر تقبّلًا لما لا يملكونه، وأكثر تفهّمًا لأن الله فضّل بعضهم على بعض في الرزق، وأن الرزق أشكال وألوان شتّى قسمها سبحانه بعدله وحكمته. أما اليوم فالوضع مختلف؛ إذ صار للرزق في أذهان الناس صورةٌ معيّنة وهيئة مخصوصة، هي ما يمكن نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فلم تعد المعاني القلبية التي يهبها الله عز وجل للعبد داخلةً في ذلك، لا الطمأنينة، ولا سعة النفس، ولا النعمة البسيطة التي يمكن أن نستشعرها في أقلّ المواقف.
والطامّة الكبرى أن مواقع التواصل مبنيّة على إخفاء ما يقاسيه الإنسان والانشغال بالتباهي بما عنده، والمشكلة الأكبر أن المتابع يظن أن تلك هي الحياة الحقيقية التي يعيشها فلان وسط ذلك النعيم، وكأنه بلغ الجنة في الدنيا! وكم كان صادمًا لبعضهم حين انكشفت بعض خبايا "المؤثّرين"، وسقط القناع المثالي، وظهرت مشكلات يعانونها في أنفسهم وبيوتهم، مع أن هذا أمر طبيعي؛ فالناس مختلفون، ولكلٍّ ابتلاؤه. لكن فقاعة المواقع الاستعراضية قد استولت على نفوس بعض الناس حتى أفقدتهم هذا الأصل، فصارت الحياة الدنيا في نظرهم مستقرًّا ومقامًا بدل أن تكون دار بلاء واختبار.
ولن أتحدث هنا عن الآثار النفسية وموجات الاكتئاب التي يدخلها الشباب اليوم نتيجة هذه المشاعر والمتابعات، ولكني سأتحدث عن فقدان عبوديةٍ هي خلاصة سير المؤمن في طريق الهداية، وهي الشكر؛ إذ جعل الله أمام الإنسان طريقين: إما أن يكون شاكرًا وإما أن يكون كفورًا: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3].
بل يمكن تعريف المعركة الأساسية بين الإنسان والشيطان بأنها سعيُ الشيطان الدؤوب إلى أن يمنع العبد من أن يكون شاكرًا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. فالعبد يسعى إلى إحراق خيوط النسيان بالتذكّر، والشيطان يسعى إلى تهميش كل نعمة تحيط بالعبد، وذلك على مستويين:
المستوى الأول: أن يجعل العبد غافلًا عن النعم القريبة اليومية، كالأنفاس، والأهل، والمفاصل، والليل والنهار، والسماء والأرض. وهذا هو الإلف الذي يصيب الإنسان، وقد أصاب كفار قريش من قبل، فألِفوا نعمة الأمن والطعام ولم يعبدوا ربَّ البيت الذي ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]؛ لأن مقتضى الشكر العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: 114].
المستوى الثاني: أن ينسب العبد النعم والهبات الاستثنائية إلى جهده الشخصي، أو إلى وقوف فلان أو علّان معه، ويغفل عن المنعم الأول ومسبِّب الأسباب، ربِّ السماوات والأرض.
وإذا كان التذكّر هو ضدَّ النسيان، فإن من أجلّ معاني التذكّر أن تتذكّر آثار معيّة الله ونعمه عليك، سواء في أيامك الخاصة، كذلك اليوم الذي ضاقت بك فيه السبل والمخارج فلم يخرجك من كربتك إلا هو، وتلك الهبة التي يسّرها الله لك، أو في نعمه العامة، كأن تتذكّر أن الإنسان أتى عليه حينٌ من الدهر ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. ومن رحمة الله بالعبد أن يبصر النعم الدينية والدنيوية ويسجّلها في ذاكرته الإيمانية، فيزداد علمًا بالله. غير أن من آفات مواقع التواصل الاجتماعي وطبيعة الحياة المزدحمة اليوم أنها تسخّر كل ما فيها لتجعلك تنسى.
وعلى جانب آخر، تسلب هذه المواقع العبدَ واجبًا ثانيًا تجاه ما يصيبه في الطريق، وهو الصبر؛ فالعبد المسلم متقلّب بين نعمة يشكرها وابتلاء يصبر عليه، وقد اختصر النبي ﷺ هذه الرحلة في حديث صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم].
فمن تعلّق بمواقع التواصل، وعاش في طوفان كفران النعم الذي يحيط به، ومدّ عينيه إلى ما متّع الله به غيره من الناس، أنّى له أن يصبر على أدنى عثرة تصيبه في الطريق؟! سيكون مآله الطبيعي التضجّر والتسخّط، وسيقول: لماذا أنا يا رب، وهؤلاء كلهم منعَّمون بتلك النعم؟
هذه معركة تحتاج أن تخوضها: أن تشكر النعمة وتصبر على البلاء، وهذه خلاصة ما يمكن أن يصيبك في هذه الدنيا. فهل نحن مدركون فعلًا هذا التعريف البسيط للدنيا، ولدورنا تجاه ما يصيبنا في الطريق، أم أن عجلة الحياة حجبت عنا هذه المعادلة السهلة الواضحة؟
جزاك الله خيراً شيخنا على التذكير وبارك فيكم ونفع بكم يارب
ردحذفصدقتم القول..جزاكم الله خيراً
ردحذفاحسن الله لكم بمقالكم استرجعت محاضرة الشيخ احمد مفاتيح الشكر ولا انساها وكانت قبيل يوم عظيم من ايام الله وهو يوم عرفة وكان يوما مشهودا بالبركة والسكينة وجاءت بعد المحاضرة تلك اسرار الدعاء
ردحذفسبحان الله من انعم النعم التي انعمها ربي علي بعد الدراسة الشرعية في البناء المنهجي هي تامل احوال الناس في المنصات مع يقيني بانها دار كدر ولا يعرض فيها الا بضع لحظات خلفها الكثير من الغصص ولعلها مقتطعة من فيضان قهر لا يعلم به الا الله وحده
كذلك ماتعلمناه من تطبيق اسمه الفلتر في مدرسة خديجة فلترة ما نراه على السوشل ميديا واخصها الانستغرام تبدا بفلترة من تتابعه ومن يتابعك تعتمد على من يشحذ الهمة ويشبه مسارك واعرض كل المعايير والملامح والصور على معيار الوحي الذي ينظم كل امر في مكانه وبهذا تتراجع تأثيرات المشاهد
وبالنسبة للنعم فأورد لكم نعما لربما لم يرها أحد او لم تخطر له على بال قبلا
نعمة ان تضجع على شقك الايمن دون ان تصيبك الخثرات او تختنق ذراعك بسبب جهاز يسرب العلاج الكيميائي في الصدر
نعمة ان تنام لساعات ٣ متواصلة دون ان تنهضك نوبة سعال او نوبة اقياء اثر علاج كيميائي او اثار سرطان لمفاوي
ان تبتلع لقمتك وتاخذ نفسا بشهيق وزفير طبيعيين دون ان تختنق وتدخل في نوبة سعال وتنخفض اكسجتك
ان ترى لون بشرتك الطبيعي دون ان تراه مصفرا ممتقعا وكانما استحال جلد جثة
ان يقاوم جسمك بصمت وتصيبك نزلة برد خفيفة ولا تضطر للبيات في العناية اياما طويلة لان مناعتك معدومة وتفشى فيك الالتهاب حد الوقوف على الحد الفاصل بين الحياة والموت
ان تتذوق طعاما باي نكهة كانت ان تلمس باصابعك ان ترى بعينيك دون ان تتكسر الصور ان تستلقي هادئا دون ان تداهمك نوبات التشنج
ان تمر بيوم عادي تشرق شمسه طبيعية وتستطيع الخروج لتتمتع باشعتها
ان تستطيع الوقوف والحركة لا ان تحبس في كرسي متحرك
ان تلمس اطفالك وتحتضنهم ولا يحال بينك وبين لمسهم بحكم المادة المشعة التي تغزوا بدنك
ان تلمس شعر رأسك وترى وجهك وعنقك سليما بغير جراح ولا ورم
ان تعرف قيمة اهدابك التي تدفع عن عينك اذى عظيما ولست تدري وقيمة حاجبيك الذين خلقا زينة وحصنا لعينيك
هناك الكثير مما لا استطيع عده ولا احصي الثناء حمدا على منعمه
له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم واليه المصير
بوركتم على هذه المقالة الرائعة!
ردحذفسبحان الله مد العين {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ…} في هذا الزمن أصبح أوسع وأسهل وأسرع!
شخصيًا جربت أن أحذف أكثر تطبيق يكون فيه الاستعراض (بالنسبة لمجتمعنا هو السناب شات) ولا أقول أني فقط ارتحت، وإنما انزاح شيء ثقيل كان يُفرض على الإنسان ويؤثر عليه لتعرّضه اليومي لما في هذا التطبيق! وكأني حينما أغلقت هذا العالم انفسح المجال لعالم أكثر هدوءًا واتزانًا، تُعاش فيه النعم كما هي.
فيقرأ الإنسان لأنه يريد أن يقرأ (ثم لو أراد لاحقا نشر شيء مفيد فهذا موضوع آخر)، ويشرب القهوة لأنه يريد أن يشربها أولًا قبل كل شيء، ويشتري ما يحتاج لأنه يريده فعلا (وليس ليثبت شيئًا للآخرين!) وتأتيه الهدية من أحبابه فيفرح قلبه بصدق (لقد وصل الحال أن الإنسان ينشر ما أُهدِي إليه قبل أن يشكر صاحب الهدية!)، وهذه والله إنما هي فتنة لا يراها إلا من أراه الله إياها، ثم أبعد نفسه عنها وتأملها من بعيد… {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ…}.
وإنما يستطيع الإنسان أن يحل هذه الإشكالية -بإذن الله- بمتابعة من يرفعونه بكل ما هو خير ونافع، ليسابق ويتنافس ويجمع ويكاثر -لا من الدنيا، وإنما مما يرضي الله-، وبهذا تنقلب كثير من هذه الوسائل إلى أبواب خير تشحذ همة الإنسان، وتأخذ بيده حينما يفتر.
والأهم من هذا كله أن يزكّي الإنسان نفسه على الدوام ويصفّي قلبه، ويلاحظ فورًا ما قد يدخل عليه ويشوّشه، وأن يرضى ليس فقط بما قسمه الله له، بل بما قسمه لغيره، بهذا تطيب نفسه ويذوق برد الرضى. {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.
ولعلّي أضع أكثر وسيلتين عمليتين أرجو أن تساعدان في ذلك:
١- القول عند الإعجاب بأي شيء: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" > استغناء فوري يصيب القلب، وفتح على البصيرة قوي. (وهذا فعل وقول نبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم)
٢- الدعاء لصاحب النعمة وهذا له تأثير عجيب على صفاء النفس وراحتها، مثل: "اللهم بارك له وزده من فضلك، وارزقنا كما رزقته وخير من ذلك"، فتصبح هذه اللحظة فرصة ذهبية لنيل الأرزاق والإكثار من الدعوات، وتدريب النفس والعقل والقلب على التطويع الفوري، وحمايةً من أزّ الشيطان بحسده وغيرته وكيده والعياذ بالله.
سبحان الله مقال في وقته وددت لو أنفع به كل من حولي
ردحذفياالله عالكلام اجا بوقته رغم انه احياناً يكون مو سهل ، الله يجزاك كل خير
ردحذفكلام سليم، بارك الله فيكم
ردحذفوربما يمكننا أن نشير أيضًا إلى أن مشاركة خبر البدء بوظيفة جديدة أو نيل درجة علمية مع عامة الناس هي — في وجهة نظري — أمرٌ لا يُقدَّر حقَّ قدره! إذ يستحيل أن تعبّر بضعة أسطر عن كم تاقت النفس إلى تلك الوظيفة، وكم تخبّط صاحبها واجتهد وسهر لياليَ طوالًا حتى يستحق ما ناله.
لكن العامة يقرأون القصة كاملة في ثوانٍ: درس، ثم تخرّج، ثم بعد سنة حصل على وظيفة مثلًا… قصة نجاح باهرة :)
وهنا يأتيك الحسد من حيث لا تدري :)
مثلًا: في الوقت الذي كنتُ لا أُفوّت فيه ساعةً من دون التحضير للماجستير، وأعمل حتى العاشرة ليلًا لتأمين تكاليفه، قال لي أحدهم: «أتمنى أن أعيش حياتك».
عندها قررتُ أن أُغلِق حياتي قليلًا، وألّا أشارك تفاصيلها إلا مع دائرتي الصغيرة.
لعل ما أصابنا في هذا الزمان هو باب من أبواب الفتن، أن لا يفتن المرء فيما عند غيره، وأن يدرب نفسه أننا نحصل على أشياء ناقصة تكتمل برضانا عنها،، وأن كلاً منا لديه ما يناسب حياته وظرفه!
ردحذفلذلك ما أردد كثيرا اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، ونعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن!
جزاكم الله خيراً ، جميل جداً
ردحذففتميلُ النفوس إلى حب الظهور من جهة، وإشباع الفضول من جهةٍ أخرى، وهذا ما يدفع الناس للتسابق على نشر لحظاتهم السعيدة والتي يفخرون بها للعامّة، وهنا لا نضع اللوم على من ينشر فقط، بل على من يتابع ليشبع فضوله.
فتخيّل معي أن تفتح هاتفك لتتصفّح نشرة يوميّة لحياة الناس؛ منهم المعارف والأقارب والأصدقاء، بل ويتجاوز الموضوع أخبار أناسٍ غرباء كالممثلين والمشاهير، فتجعل نفسك عرضةً لاستقبال شتّى أنواع الإنجازات، والحياة المترفة، والنجاحات اللانهائية.
فهذا حوله أناسٌ كثيرون، فطبعًا يبدو محبوبًا، وهناك من يقف معه في أزماته، وهذا لديه بيتٌ جميل، وهذا تخرّج من تخصص رائع، وهذا توظف في وظيفة الأحلام، وهذا وجد شريك حياته، وهذا رُزق بالذرية الصالحة..
وتخيّل أن تكون أنت في وسط هذا كله، تمرُّ في مرحلةٍ ما من حياتك فيها ابتلاء وانتكاس، بالتأكيد سيدخل إلى قلبك باب المقارنات، فتشعر بفشلٍ ذريع، وتنسى نعم الله عليك، وتنسى أن لكل إنسانٍ وقته، وأن حياة الناس لا تخلو من المنغصات، وأن ما تراه من حياة الآخرين ليس إلا جزءًا صغيرًا مما يعيشونه.
ولم نتطرق حتى إلى موضوع العين المعجبة والغفلة عن ذكر الله، فربما يتأذى الناس دون قصدٍ منّا، وبالمناسبة، ليس سهلًا أن تجاهد نفسك أو تتذكر ذكر الله كي لا تصيب أحدهم بالعين (:
ولعلّ الإنسان يظلم نفسه حين يفتح أبواب قلبه لكل ما يعرضه الناس من حياتهم، ثم يتعجب بعد ذلك من كثرة المقارنات والحسرات، فليس كل ما نراه يستحق أن نُدخله إلى قلوبنا، وليس كل ما نعرفه عن حياة الناس نحتاج إلى معرفته.
وهذا يدخل في باب مدّ العين الذي نُهينا عنه في الإسلام.
ودعني أستشهد هنا بما قاله ابن القيم في إطلاق البصر، وإن كان قاصدًا غض البصر عن الجنس الآخر، إلا أن كلامه يُستأنس به فيما أتحدث عنه:
«ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب، أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه».
قال الشاعر:
وكنتُ متى أرسلتَ طرفَكَ رائدًا
لقلبِكَ يومًا أتعبتكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ
عليه ولا عن بعضِه أنتَ صابرُ
وأيضًا:
ما زلتَ تتبعُ نظرةً في نظرةٍ
في إثرِ كلِّ مليحةٍ ومليحِ
وتظنُّ ذاك دواءَ جرحِكَ وهو في الـ
تحقيقِ تجريحٌ على تجريحِ
فذبحتَ طرفَكَ باللحاظِ وبالبكا
فالقلبُ منك ذبيحُ أيِّ ذبيحِ